ان اهتمام النخب والجماهير العربية بقضية الاصلاح قد تزايد بصراحة وبدون مواربة منذ سقوط نظام البعث في بغداد في التاسع من ابريل عام 2003· وعلى رغم هذه الحقيقة فلقد لاحظنا وجود اشكالية تعرقل صفاء الدعوة الذاتية للاصلاح وتحاول ان تكبلها· تمثلت هذه الاشكالية في القول إن المبادئ الوطنية وقيم السيادة الداخلية تأبى علينا الاستجابة لدعوة الاصلاح الشامل التي اطلقها الرئيس الأميركي بوش لأول مرة عام 2001 عندما أصدر وثيقة ممهورة بتوقيعه تحمل عنوان (استراتيجية الأمن القومي الأميركي)· في تلك الوثيقة قدمت الادارة الأميركية تحليلها للمخاطر الأمنية التي تعرضت وتتعرض لها والتي بلغت ذروتها في أحداث الحادث عشر من سبتمبر بالهجوم على العمق الأميركي بواسطة جماعات من الشباب العربي·
وانتهت الوثيقة إلى اعتبار ان هذه الجماعات مدفوعة في عدائها للولايات المتحدة بالاوضاع الداخلية المتدهورة في مجتمعاتها ومن هنا أرست الوثيقة التزاما من الولايات المتحدة بتجفيف منابع الارهاب عن طريق محاربة ثلاثية الفقر والقهر والفساد في الاقطار العربية ليس بدافع عاطفي أو مبدئي ولكن بدافع مصلحي أميركي واضح المعالم في ضمان أمنها· مع سقوط نظام البعث القائم على الطابع الثوري المحتشد بالشعارات الجذابة والتي طالما أغرت عقول الجماهير وداعبت خيالها عبر ماكينتها الإعلامية المنتشرة في عالمنا العربي ومع تهاوي الجدران الإعلامية التي نصبها هذا النظام لاخفاء سلوكياته القهرية لشعبه والمفقرة لجماهيره انجلت حقائق عديدة جعلت النخب الثقافية الصادقة مع مبادئها تجفل من طبيعة النظم المستبدة القاهرة المستنزفة لموارد شعوبها أيا كانت الشعارات التي ترفعها وتتخفى وراءها·
وهنا وعلى رغم تنامي الحافز العربي الذاتي نحو الاصلاح فقد استطاعت بعض العناصر الإعلامية من بقايا مدرسة البعث الساقطة أن تزرع وأن تعمق اشكالية تبين للكافة انها مفتعلة وهي اشكالية صيغت كما اسلفنا في صورة دعائية محكمة التلفيق تزعم ان مبادئ السيادة تأبى التجاوب مع دعوات الولايات المتحدة للاصلاح· ولقد أصبح واضحا أن أصحاب هذه الاشكالية ينتمون إلى مدرسة الاستبداد والقهر السياسي وأنهم قد تحولوا بعد سقوط نظام بغداد إلى محاولة ترويج بضاعتهم في أوساط النظم السياسية التقليدية· وكان من الطبيعي أن تجد هذه الاشكالية بعض الآذان السلطوية التي يطربها القول إن الاصلاح أمر مرفوض وان قواعد السيادة الوطنية تقتضي الحفاظ على الاوضاع القائمة باسم الوطنية ورفض التدخلات الأميركية في الشؤون العربية الداخلية·
لحسن الحظ فإن هذه البضاعة الإعلامية لم تصمد طويلا فلقد أصبحت النظم التقليدية أكثر وعيا بضرورات الاصلاح وأشد ادراكا لتناغم مصالحها مع عملية الاصلاح التي تلح عليها الجماهير العربية من الداخل وتضغط عليها أميركا لمصالحها المذكورة سلفا من الخارج·
وأريد هنا أن أطلق رؤية فكرية تحل هذه الاشكالية المفتعلة وان تقطع الطريق على هذه البضاعة الإعلامية التسلطية على نحو نهائي في عقولنا· وهذه الرؤية تنادي بأن مطلب الاصلاح العربي الذاتي أقدم بعقود من الدعوة الأميركية الجديدة له· ويشهد على هذه الحقيقة تلك القبور الجماعية لجماعات المعارضة المطالبة بالاصلاح والديمقراطية في ربوع العراق والتي كشف النقاب عنها بعد سقوط النظام·
وأقول كذلك ان تنامي الدعوة إلى الاصلاح الداخلي في أنحاء العالم العربي بعد سقوط النظام البعثي في بغداد لا يناقض مبادئ السيادة الوطنية لا من قريب ولا من بعيد· وأقول أيضا إن أصالة دعوة الاصلاح العربية لا ينال من صفائها ووطنيتها وعروبتها انها تنتفع بالدفعة التي يولدها النظام الدولي الجديد بزعامة أميركا· فعلى مدى الزمن كانت أمتنا جزءا عضويا من العالم أثرت فيه خلال عصور ازدهارها وقوتها ومنعتها وتأثرت به وانتفعت بمنجزاته الحضارية الحديثة من طب واتصالات وهندسة وتطبيقات تكنولوجية وبالتالي فلا ضرر على الاطلاق في أن تنتفع دعوتها الذاتية للاصلاح بالدفعة الدولية إليه·
أظن أن هذه الرؤية تسوي هذه الاشكالية المفتعلة على نحو نهائي خاصة اذا ما استطعنا وضع الفواصل الدقيقة بين مطالب الاصلاح العربية التي تكفل الحفاظ على خصوصياتنا الثقافية وبين مطالب الاصلاح الخارجية· وهنا ننتقل الى الاشكالية الثانية التي تجسدها الفروق والمشتركات مع العالم·
إن وضع هذه الفواصل لا يجب أن يطمس تلك التعريفات المشتركة للاصلاح بين العرب من ناحية وبين ميثاق حقوق الانسان الذي وقعت عليه جميع الدول الاعضاء في الأمم المتحدة بما فيها الدول والحكومات العربية نفسها من ناحية ثانية وبين مطالب الاصلاح الاميركية من ناحية ثالثة·
ان علينا ان نتحلى بالشجاعة الادبية التي تحلى بها أسلافنا عندما حافظوا على خصوصيات ثقافتهم ولم يجعلوا هذه المحافظة عائقا يقف بينهم وبين تلقيح ثقافتهم بما هو نافع ومشترك في حضارات الأمم الأخرى·
إن حاجتنا إلى اللعتراف بأهمية المبادئ المشتركة بيننا وبين الحضارات الأخرى يمكن تمثيلها مع