ربما كان عدم موافقة الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز، على تجديد الرخصة التجارية لشبكة "راديو وتلفزيون كراكاس"، مبرراً للمزاعم القائلة بعزمه على سحق حرية التعبير، وإخراس الأصوات المعارضة له. وكما تابعنا من ردود الأفعال، فقد انتقدت كل من منظمة العفو الدولية، وكذلك منظمة "هيومان رايتس ووتش" و"لجنة الدفاع عن الصحفيين" وأعضاء البرلمان الأوروبي، وكذلك أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، بل أعضاء الكونجرس التشيلي كذلك، قرار "شافيز" الأخير بإغلاق هذه الشبكة التلفزيونية، باعتبارها الشبكة الخاصة والأكثر عراقة في فنزويلا. ومما عزز آراء منتقدي "شافيز" ومعارضيه، تضمين قراره الأول يوم الثلاثاء الماضي، شبكة معارضة أخرى، هي "جلوبوفيشن" واصفاً إياها بأنها من "الأعداء الداخليين". غير أن الحقيقة التي لا بد من الجهر بها، أن قرار "شافيز" الخاص بالشبكة التلفزيونية المذكورة، إنما ينطبق عليه كثير من سوء الفهم الذي طالما أحاط بالعديد من قراراته الأخرى. وفي الوقت الذي يغطي فيه جزء من تلك القصة، شاشات وصحف العالم قاطبة، فإن الجانب الآخر منها، بالكاد يصل أو تغطيه تلك الشاشات والصحف الإخبارية. والذي يجب الإقرار به ابتداءً، أن موت الشبكة التلفزيونية الخاصة العريقة هذه، يعد أمراً باعثاً للأسف بالطبع. فقد أنشئت هذه الشبكة في عام 1953، وسرعان ما صنعت لها اسماً وسمعة ذائعة الصيت في البلاد، واشتهرت بإعداد وتقديم برنامج "راديو روشيلا" السياسي الساخر الشهير، فضلاً عن تقديمها لفترة طويلة من الوقت لبرنامج "بور استاس كوليز" الكوميدي الترفيهي. ويعود فضل أول بث مباشر عبر الأقمار الصناعية للحظة التي حطت فيها قدما الرائد الفضائي العالمي نيل آرمسترونج على سطح القمر في عام 1969، إلى هذه القناة بالذات. لكن وللحقيقة،فسرعان ما تغير الخط الإعلامي لهذه الشبكة، على إثر انتخب الرئيس هوجو شافيز رئيساً لفنزويلا في عام 1998. والمقصود بهذا التحول، مشاركتها في دعم محاولة هدفت للإطاحة برئيس تم انتخابه شرعياً وديمقراطياً. والمعلوم عن هذه الشبكة، سيطرة حفنة من أثرياء البلاد عليها، بمن فيهم رئيسها "مارسيل جراناير". وكان من رأيهم أن "شافيز" و"ثورة الفقراء" التي يرمز لها نظامه، إنما يمثلان تهديداً جدياً، مع العلم أن غالبية الشعب الفنزويلي هي من الفقراء. ولعل أسوأ ما يحسب على هذه الشبكة على الإطلاق، مشاركتها النشطة في دعم المحاولة الانقلابية العسكرية التي استهدفت رئاسة شافيز، في الأول من أبريل من عام 2002. فعلى امتداد يومين كاملين سابقين لتلك المحاولة، انتظمت الشبكة في بث البرامج التحريضية الداعمة لتنظيم إضراب عام، يهدف للإطاحة بـ"شافيز". وضمن تلك البرامج، فقد انتظم عدد كبير من المعلقين المعارضين لـ"شافيز"، في بث التعليقات والآراء المعارضة لنظامه ولشخصه معاً. والملاحظ أن وجهة النظر التي انتظمت الشبكة في بثها، هي وجهة النظر المعارضة وحدها، دون أن تفسح المجال لأي آراء أخرى تدافع عن الحكومة. ثم تلا ذلك، استمرار الشبكة في بث الدعايات والإعلانات المحرضة للمواطنين على المشاركة في مظاهرات شعبية ترمي للهدف ذاته:الإطاحة بــ"شافيز". وما أن انتهت تلك المظاهرات إلى العنف، حتى تضافرت الشبكة التلفزيونية هذه، ومجموعة "جلوبوفيشن" في إلقاء اللوم على الحكومة وتحميلها هي وأنصارها، مسؤولية مصرع وإصابة العشرات من المشاركين في المظاهرات المناوئة. ولما كان ذلك هو سجل وسلوك شبكة "آر. سي. تي. في" هذه، وبما أن انتقادات قد احتدت كل هذه الحدة، بسبب قرار "شافيز" الأخير ضدها، فإن السؤال الذي لا بد من إثارته هنا هو: هل كانت الولايات المتحدة الأميركية ستسمح لشبكة تلفزيونية ضلعت في المشاركة والدعم العلني لمحاولة انقلاب عسكري على حكومتها الشرعية المنتخبة ديمقراطياً، بمواصلة البث من داخل أراضيها؟ وفي الإجابة المسبقة عن هذا السؤال، فإن الأحرى أن تسارع واشنطن إلى إغلاق محطة أو شبكة كهذه، خلال الخمس دقائق الأولى اللاحقة لفشل المحاولة الانقلابية على حكومتها، بل وإلى إلقاء القبض على ملاكها وإيداعهم في السجن مباشرة. فلماذا يحل هذا السلوك على واشنطن، ويحرم على شافيز الذي صبر على هذه القناة، طوال الفترة التي أعقبت محاولة انقلاب أبريل 2002 عليه؟! بارت جونز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل وكالة "أسوشيتد بريس" في فنزويلا ومؤلف كتاب"قصة هوجو شافيز" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"