يمثل الغزو الروسي، هذه الأيام، لجورجيا هجوماً على صميم القيم الغربية وعلى نظامنا الأمني للقرن الحادي والعشرين. وإذا سمح المجتمع الدولي لروسيا بسحق دولتنا الديمقراطية المستقلة، فإنه بذلك سيمنح "بطاقة بيضاء" للحكومات السلطوية في جميع أنحاء العالم كي تفعل ما تريد. غير أن روسيا لا تنوي تدمير بلد فحسب، وإنما تسعى أيضاً الى استئصال فكرة. خلال فترة طويلة جداً، كنا نقلل جميعنا من شأن وحشية نظام الحكم في موسكو، لكن العالم كله شهد أول أمس دليلاً إضافياً على ازدواجية هذا النظام؛ ذلك أنه في غضون 24 ساعة من موافقة روسيا على وقف لإطلاق النار، كانت قواتها منهمكة في تدمير مدينة "جوري"، وإغلاق ميناء "بوتي"، وإغراق السفن الجورجية... والأسوأ من ذلك كله، تطهير البلدات الجورجية في أوسيتيا الجنوبية عبر اغتصاب النساء وقتل الرجال. وعليه، فإن القيادة الروسية لا يمكن الوثوق بها، والرد على روسيا ينبغي أن يصاغ وفق هذه الحقيقة، كما أن قوات حفظ سلام غربية وحدها تستطيع إنهاء هذه الحرب. وتسعى روسيا أيضاً إلى تدمير اقتصادنا، حيث تقوم بقصف مصانعنا وموانئنا، وغيرها من المواقع الحيوية، وهو ما يستوجب إقامة جسر جوي شبيه بـ"جسر برلين الجوي" (عام 1948). والحق أن الأمم المتحدة والولايات المتحدة وكندا وغيرها بدأت تتحرك في هذا الاتجاه، ونحن جد ممتنين لهم. وبينما ننكب على بحث الخطوة المقبلة، علينا أيضاً أن نفهم أهداف روسيا. فموسكو تهدف إلى إرضاء طموحاتها الإمبريالية، ومحو واحدة من الدول الديمقراطية القليلة المجاورة لها، وقلب نظام العلاقات الدولية في أوروبا لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. واليوم، تُظهر روسيا أنها تستطيع فعل ما يحلو لها. ويخبرنا التاريخ أن الحرب التي تشنها روسيا على جورجيا تشبه ما حدث في فنلندا عام 1939، وهنجاريا عام 1956، وتشيكوسلوفاكيا عام 1968. وربما هذا هو سبب إعراب العديد من بلدان أوروبا الشرقية، والتي عانت تحت الاحتلال السوفييتي، عن دعمها ومساندتها لنا. ينظر قادة روسيا السلطويون إلينا كتهديد، لأن جورجيا بلد حر اختار شعبُه الانضمام إلى المؤسسات الأوروبية والأطلسية؛ لكن حكام روسيا يرون في ذلك إهانة لهم لأنهم لا يريدون أن يكون بلدهم، أو حتى حدودهم، عرضة للأفكار الديمقراطية. وفي هذا السياق، جربت روسيا، منذ أن وصلت حكومتنا الديمقراطية إلى السلطة بعد الثورة الوردية عام 2003، الحصار الاقتصادي، وأغلقت الحدود بغية عزلنا، ورحَّلت الآلاف من الجورجيين في روسيا بشكل غير قانوني، وحاولت زعزعة استقرارنا السياسي بمساعدة أوليغارشية إجرامية. كما حاولت إرغامنا على الاستسلام عبر نسف أنابيب الغاز الحيوية في منتصف فصل الشتاء. وعندما فشل كل ذلك في النيل من عزيمة الشعب الجورجي وتصميمه، عمدت روسيا إلى غزو بلدنا، حيث قامت الأسبوع الماضي، عبر وكلائها الانفصاليين، بمهاجمة عدد من البلدات المسالمة الخاضعة للسيطرة الجورجية في أوسيتيا الجنوبية، ما أسفر عن مقتل مدنيين أبرياء وتدمير البنى التحتية. وفي السادس من أغسطس الجاري، وبعيد ساعات على سفر مسؤول جورجي كبير إلى أوسيتيا الجنوبية في محاولة للتفاوض، شنت روسيا هجوماً كبيراً على القرى الجورجية. ومع ذلك، ورغم تعرضنا للهجوم، أعلنتُ وقفاً أحادياً لإطلاق النار على أمل تجنب التصعيد، وأعربت عن رغبتنا في التحدث مع الانفصاليين وفق أي شكل يختارونه. غير أن الانفصاليين وسادتهم الروس صموا آذانهم عن دعواتنا للسلام، وعلمت حكومتنا لاحقاً أن جحافل من الدبابات والقوات الروسية عبرت الحدود الجورجية. والواقع أن آلاف الجنود والدبابات والأسلحة التي كانت محشودة على حدودنا، إنما هي دليل على أن روسيا كانت تخطط لهذا الاعتداء منذ وقت طويل. لم يكن أمام حكومتنا خيار آخر غير حماية بلدنا من الغزو، وتأمين مواطنينا، ووقف إراقة الدماء. فعلى مدى سنوات، كانت جورجيا تقترح حلولاً أوروبية تنتمي إلى روح القرن الحادي والعشرين حول قضية أوسيتيا الجنوبية، ومن ذلك حكم ذاتي كامل يضمنه المجتمع الدولي، بيد أن روسيا كانت دائماً ترد بأساليب فظة تنتمي إلى القرن التاسع عشر. صحيح أن روسيا أقوى بكثير من بلدنا الصغير، رغم أننا لم نكن نتوقع شراسة وحجم الهجوم الذي شنته موسكو، لكن كان علينا على الأقل أن نحمي شعبنا من القوات الغازية. والأكيد أن أي بلد ديمقراطي كان سيفعل الشيء نفسه لو أنه تعرض لهجوم مماثل. لكن أمام هذا الجيش الغازي الوحشي الذي كان عنفه يعيث في جورجيا الدمار، قررت حكومتنا الانسحاب من أوسيتيا الجنوبية وإعلان وقف إطلاق النار والسعي إلى التفاوض. لكن موسكو تجاهلت دعوتنا إلى السلام، حيث وُوجهت محاولاتنا المتكررة للاتصال بالقادة الروس بالرفض؛ بل إن وزارة الخارجية الروسية أنكرت توصلها بإشعار بوقف إطلاق النار بعد ساعات من بدئه رسمياً وإعلان وسائل الإعلام عنه. لكن تلك لم تكن سوى واحدة من الحيل الكثيرة من أجل خداع العالم وتبرير مزيد من الهجمات. إن هذه الحرب لا تهدد جورجيا فحسب، وإنما الأمن والحرية عبر العالم برمته. فإذا فشل المجتمع الدولي في اتخاذ موقف حازم، فإن ذلك سيمثل نهاية لانتشار الحرية والديمقراطية في كل مكان من العالم. إن خطأ جوروجيا الوحيد في هذه الأزمة، هو تطلعها إلى أن تكون بلداً ديمقراطياً حراً. فماذا كانت الدول الغربية ستفعل لو أنها عوقبت لأنها تصبو لهذا الهدف؟ لقد راهنتُ بمستقبل بلدي على خطاب الغرب حول الديمقراطية والحرية. واليوم، وبينما يتعرض الجورجيون للهجوم، علينا جميعاً أن نطرح السؤال التالي: إذا لم يكن الغرب معنا، فمع من يقف إذن؟ وإذا لم يتم رسم خط التأييد والرفض، فمتى سيُرسم؟ لا يمكننا أن نسمح لجورجيا بأن تصبح أول ضحية لذلك النظام العالمي الجديد كما تتصوره موسكو! ميخائيل سكاشفيلي رئيس جورجيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست