لقد انتهينا في المقال السابق إلى نتيجة مهمة، وهي أن فهم نظرية العصبية عند ابن خلدون، يتطلَّب استحضار "العامل الاقتصادي" الذي قلنا عنه إنه بمثابة المحرك لقوة العصبية. إن هذا العامل "الخفي" الذي يدخله ابن خلدون في حسابه، ولكن دون أن يشرح أهميته القصوى، ستتضح لنا فاعليته بشكل أكثر جلاء في المسألة التي نحن بصدد البحث فيها الآن، والتي يمكن صياغتها في السؤال التالي: كيف ولماذا تتحول العصبية في لحظة من اللحظات، من مجرد رابطة قبلية معينة، إلى قوة للمطالبة والسعي وراء السلطة، ومن ثمة تأسيس الدولة؟ إن الجواب الذي يقدمه ابن خلدون عن هذا السؤال الخطير، سهل وبسيط، وهو مستمد من تصوره العام لـ"طبائع العمران". هو يقرر أولاً "أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك"، ثم بعد أن يشرح كيفية ذلك ينتهي إلى القول إن "الملك غاية طبيعية للعصبية، ليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه"، فالمسألة هنا، في نهاية التحليل، مسألة "ضرورة وجودية". فكيف نفهم ما يعنيه ابن خلدون بهذه العبارة التي يستعمل فيها مفهوم "الضرورة" و"ضرورة الوجود"، مع أنه عاش في عصر سابق للعلم الحديث الذي آمن بالحتمية الطبيعة منذ قيامه في القرن السادس عشر. إن الرجل أشعري، وهو على خلاف مع المعتزلة والفلاسفة في مسألة "الطبع"! ومع ذلك فالأشاعرة قد توصلوا إلى مفهوم "العادة" و"مستقر العادة" لحل مشكلة التناقض بين القول بالضرورة الوجودية (الحتمية) وبين إرادة الله (الذي ينفي الحتمية). إن عبارة ابن خلدون يجب أن تفهم كما يلي: إن العصبية تؤدي إلى الملك ضرورةً لأن الله قد أجرى العادة على ذلك. وهذه العادة قد استقرت وأصبحت "طبعاً" ملازماً للعمران لا يفارقه البتة. ومن ثم صار حدوثه فيه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية. لكن ابن خلدون لا يقتصر على تقرير هذا المبدأ، بل هو يحرص أشد الحرص على بيان "العلل والأسباب" أي شرح الكيفية التي تجري بها "العادة". وعلى رغم أنه يصور الحوادث التي تجري حسب مستقر العادة وكأنها تتم بشكل ترابط آلي، بحيث يؤدي السابق منها إلى اللاحق مباشرة، ودون تدخل عوامل أخرى، فإن في ثنايا حديثه عن هذا "الطبع العمراني"، ما يشير إلى أن وراء "جري" العصبية إلى الملك، الذي هو غايتها، عوامل موضوعية أساسية لمسها لمساً، ولكن دون أن يجعلها مسؤولة عن هذه الظاهرة بكيفية مباشرة. وقبل أن نغوص معه في هذا الموضوع لابد من الرجوع إلى "خصائص" المجتمع القبلي لنكمل ما قلناه عنه في المقال السابق. ذلك أن المجتمع القبلي الذي يجد نفسه مدفوعاً بخطر الفناء، بسبب عادة الثأر، يضطر إلى إيجاد نوع من "التعايش السلمي" بين الجماعات التي يتشكل منها، وذلك بالتخفيف من هذه العلاقات "السلبية" بأعراف وتقاليد ونظم معينة. وأهم هذه النظم، التي تلعب دوراً إيجابياً في الحفاظ على علاقات عادية، وأحياناً ودية، بين الجماعات المتجاورة، نظام "الحلف"، وهو أشبه ما يكون بالمعاهدات التي تجرى اليوم بين الدول تحت شعار الصداقة وحسن الجوار والتعايش السلمي. ولكن هذا النظام، نظام الحلف، لا يعني القضاء على النزاع بكيفية نهائية. بل إنما يعني فقط، وفي أحسن الأحوال، نقله من حدود إطار ضيق، إطار العصبة أو القبيلة، إلى إطار أوسع، إطار التجمع القبلي. فهو من هذه الناحية، عبارة عن تكتل مجموعات ضد أخرى من أجل الحفاظ على المصلحة المشتركة القائمة بالفعل، أو من أجل اكتساب مصالح مشتركة جديدة، وعلى حساب الآخرين دوماً. ولكن لما كان التنظيم الوحيد الموجود في البادية، بل التنظيم الوحيد الذي يمكن قيامه هناك، هو "التنظيم الطبيعي"، أي العلاقات الناشئة من النسب أو ما في معناه، نظراً لغياب كل إمكانية لقيام تنظيم أو تكتل على أساس علاقات الإنتاج- الشيء الذي يرجع، كما قلنا آنفا، إلى فردية الإنتاج والملكية شبه الجماعية- فإن المصلحة المشتركة إنما تتأطَّر فقط ضمن العلاقات الطبيعية هذه، علاقات النسب أو ما في معناه. ومن هنا كانت العصبية تقوم في مظهرها على النسب حقيقياً كان أو وهمياً، في حين أنها في العمق تقوم على تنازع البقاء والكفاح من أجل العيش في إطار وحدة العصبة وتضامن أفرادها، وحدة وتضامن تندمج فيهما، سواء بسواء، المصالح المادية للعصبة والاعتبارات المعنوية التي بها تتقوَّم شخصيتها ويتأكد كيانها. وهكذا يبدو واضحاً أن الصراع العصبي ذو صبغة اقتصادية واضحة على رغم ما يتَقنَّع به من اعتبارات معنوية ومظاهر سيكولوجية واجتماعية. إن استحضار هذه الصبغة الاقتصادية عند دراسة آراء ابن خلدون، هو وحده الكفيل بتبديد كثير من الغموض والالتباس اللذين يكتنفان نظريته في العصبية، خاصة الدور الذي يعزوه لها في قيام الدول وسقوطها. وإلا فكيف يمكن أن نفهم مثلاً، أن الدولة تقوم بقيام العصبية وتهرم بفسادها؟ فلماذا تفسد العصبية- كما يقول ابن خلدون، ويكرر القول مراراً- بالانفراد بالمجد وحصول الترف والنعيم للقبيل؟ إن الجواب الوحيد والمعقول، هو أن قوة العصبية ليست في النسب، مهما كان المعنى الذي نعطيه لهذه الكلمة، بل إن قوة العصبية مستمدة من الظروف المادية القاسية التي يفرضها على الجماعة البدوية ضعف وضآلة أدوات الإنتاج وقساوة الطبيعة، والتي تفرض هي الأخرى على تلك الجماعة نوعاً من التضامن قوياً، من أجل مصلحتها المشتركة التي تتمثل دوماً في الكفاح من أجل ظروف معيشية أحسن. ولذلك فإن فساد العصبية بالانفراد بالمجد، أي باستئثار رئيس العصبة بالملك وما يتبعه من مصالح مادية، ومنعه لأفراد عصبته من "التطاول للمساهمة والمشاركة"- حسب عبارة صاحب "المقدمة"- لا يعني مطلقاً، فساد النسب، فهو يظل قائماً كما كان أول الأمر، إنما يعني في الحقيقة فساد الأساس الحقيقي الموضوعي الذي تقوم عليه العصبية وهو "المساهمة والمشاركة" في الفوائد المادية والمعنوية التي يحققها المُلك لأصحابه. وكذلك الشأن في ما يتعلق بـ"فساد العصبية بحصول الترف والنعيم للقبيل". فالذي يفسد هنا، ليس النسب، نسب القبيلة، وإنما الذي يفسد العصبية حقاً، ويكسر من سوْرتها، هو أن نجاح العصبة أو القبيلة في الحصول على مستوى أحسن من العيش يبرز فيها مصالح شخصية متناقضة، الشيء الذي يضعف ذلك التضامن الذي به كانت قوتها ووحدتها، فتنحلُّ عراها، وينهار تماسكها ويكون مآلها "هرم دولتها" فزوال حكمها. وهكذا فما دامت القوى المحركة للعصبة هي المصلحة المشتركة، كانت متماسكة متضامنة، وعصبيتها قوية صامدة. أما إذا تحولت المصلحة المشتركة للعصبة إلى مصالح شخصية أو طغت هذه على تلك، فإن التضامن الذي كان بالأمس، ينقلب حينئذ إلى فرقة ونزاع، فيطغى الأنا الشخصي على الأنا العصبي، وتفسد العصبية. نعم، إن هذا التفسير الذي نقترحه بخصوص الأساس الموضوعي للرابطة العصبية، لا يرفع الإشكال الأساسي في نظرية العصبية عند ابن خلدون: وهو لماذا لا يستطيع رئيس العصبة المنفرد بالمجد والمُلك، الاستمرار في الحكم اعتماداً على القوى الجديدة التي يصطنعها (جنود مرتزقة.. الخ) بل يكون مصيره المحتوم انهيار دولته وقيام عصبة أخرى جديدة باستلام السلطة لتلقى في الأخير نفس المصير المحتوم؟ للجواب عن هذا السؤال الأساسي في الموضوع لابد من عناصر جديدة أساسية.