ما إن يشجر خلافٌ -على المستوى السياسي والعسكري- بين زعيمين عربيين أو إسلاميين حتى تشحذ السيوف، وتمتشق الكلاشينكوفات، وترص الصفوف، وتعلن الحرب بين البلدين. وتبدأ -تزامناً مع ذلك- الحربُ الإعلامية التي تؤثر على صغار موظفي الجوازات والجمارك حيث يرمون بجوازات سفر مواطني الدولة الأخرى؛ وقد يهينونهم بالانتظار ساعات على الحدود -غير المكيفة- مع تفتيشهم التفتيش اللائق بالعدو! وعلى المستوى السياسي والعسكري يرفض كل طرف الحوار إذا ما دبَّ خلافٌ بين بلدين! ويتم التلويح بالاستعانة بالأصدقاء، أو أصدقاء الأعداء، كي يتم توظيف عناصرهم ليعيثوا فساداً وتفجيراً وتفخيخاً في البلاد الأخرى. هذا التشنج والانفعال السريع المدعوم بالتاريخ والأفق الضيق و"رفع الأنف" في الهواء لا يسري على تعامل الحكام أو الحكومات مع بعضها بعضاً، بل نجده يتغلغل في نفوس البشر أو المجتمع الذي ينسى قضايا النخوة العربية والمجادلة بالتي هي أحسن (الإسلامية)، وحسن الجوار، والانتماء للأمة ذات الرسالة الخالدة، أو خير أمة أخرجت للناس، و"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، بحكم أنه توجد أخلاق فاضلة قبل البعثة. وكذلك آداب البروتوكولات التي تحكم علاقات الدول المتحضرة، وما يتطلبه ذلك من تضمين مناهج التربية قواعدَ السلوك الإنساني وسعة الصدر وانتقاء الكلمات الراقية في التخاطب، حتى مع الذين نختلف معهم. أسوق هذه المقدمة بعد أن قرأت بعض ردود أفعال -على مقالين سابقين لي- افتقدت هذه الردود الكياسة واللباقة وأسس الحوار. حيث تصوّر البعض -وهذا تصور خاطئ- أن على الكاتب أن يغيّر واقعه -إن كان هذا الواقع غير صحيح أو منحرف- قبل الكتابة عن، أو في ذلك الواقع. وهذه نظرة قاصرة وتدلّ على ضيق أفق أو عن جهل مُطبق. فالكاتب الحر الذي لا ينتمي إلى أي حزب أو جهة أو توجه انفعالي أو تشددي، ليست لديه عصا سحرية كي يغيّر واقعه، بل على الأغلب إنه بعيد عن دائرة القرار السياسي أو الجهة التنفيذية في البلاد. هذا إذا كان من الكتاب غير المأجورين الذين تدفع لهم الدوائر الرسمية رواتب آخر الشهر، ولربما دفعت لهم وكالات أجنبية لا تريد خيراً في المنطقة العربية. وإخواننا -هداهم الله- ما إن يقرأوا مقالاً عن إصلاح التعليم حتى يصبّون جام غضبهم على الكاتب، ولماذا لا يقوم هو بهذا الإصلاح في بلده؟! ويصورونه على أنه وزير التعليم! وهذا ما حصل من ردود أفعال متشنجة حول مقال لنا عن التعليم في البلاد العربية. وللأسف، هنالك من ردود الأفعال الغاضبة التي تنتظر نشر مقال حول أي موضوع كي "تنفّس" عن الكبت الذي تعانيه، أو واقع حالها المقهور فتصب الغضب على الكاتب وكأنه مسؤول عن الواقع المتردي الذي تناوله الكاتب. الطامة الكبرى عندما يتحدث الكاتب عن الدين أو عن الجماعات المتشددة! وكأن تناول هذه الموضوعات من "التابوهات" التي تلزم قطع الأيادي والأرجل من خلاف! وتنبري الأقلام -العاقلة والجاهلة- كي تخوض في الموضوع بتشنج وانفعال وتنعت الكاتب بأقذع النعوت، وتصفه بأحط الصفات، وكأنه جاوز الكفر أو دعا إليه. وللأسف، تأتي أغلب الردود المتشنجة بأسماء نساء -باستغلال الإنترنت استغلالاً جباناً كريهاً- وهذه من صفات الجبناء الذين لا يستطيعون الجهر بأسمائهم وكشف شخصياتهم في وضح النهار! وليست لديهم الجرأة والحكمة في إبداء آرائهم "الإسلامية" وتحمّل تبعات ما يقولونه. وبعضهم يشارك في حوارات الإنترنت دون أن يدرك ما هو الموضوع بالضبط! وكثيراً ما خلط هؤلاء بين مقاصد مقال معين، وحقدوا على الكاتب وبلاده معاً! ففي مقال لي عن الديمقراطية، رد أحد المتشنجين بقوله: لماذا تتحدث عن الديمقراطية! هل بلدك فيها ديمقراطية؟! أو لماذا تدعو إلى التفكير العقلاني وتحكيم العقل ولدينا ديننا الذي هو نبراسنا في الحياة؟ ويبدأ في رصِّ كلمات بعيدة عن مقاصد المقال أو الموضوع! هذه الروح غير السويَّة -التي نجدها في ردود الإنترنت على المقالات- ليست وليدة الصدفة، بل إنها نتاج تراكمات لثقافة الجهل والإكراه وتغييب العقل وتأليه البشر والخوف من الآخر واستخدام الدين مثل سيف الحكومة، وتخليق أجيال من المتوترين الذين لا يفيدون بلدانهم ولا مجتمعاتهم. لقد طُعنت هذه الأمة بالعديد من الزعماء الفاسدين والحكام الذين استخدموا الدين في تغييب حقوق البشر وعقولهم معاً، تحت باب الهرطقة مثلما ساد أوروبا في عهود الظلام عندما كانت الكنيسة تتحكم في مصائر البشر. والخطأ ليس في الدين نفسه، بل في سوء استخدامه وسوء إسقاطاته، حيث كانت "الدهماء" تقبل أيَ توجهٍ حكومي "مستتر" خلف رداء الدين ولا تناقشه. بل وكانت تتقبل من الحاكم وبتأييد من رجال الدين ما كان يخالف الدين ويصبُّ في مصلحة الحكم! ولقد عاثت جماعات إسلامية محددة فساداً في بعض بلدان الخليج بالتحديد، وتبرأت منها الحكومات بعد خمسين أو ستين عاماً من استضافتها بعد أن عَرفت نواياها المستترة. ومازالت بعض هذه البلدان تواجه حقيقة دعمها لبعض العناصر الإسلامية المُسيّسة، التي تتحين الفرص لبث الانقسام بين أبناء المجتمع الواحد، والانقضاض على السلطة -على الطريقة الأفغانية- وتحويل المجتمعات المستنيرة والمتطورة إلى "قبائل" -مثلما كانت تتناحر على الماء والكلأ- وتلزم المجتمع بالنوم بعد صلاة العشاء مباشرة، والالتزام بالزي الموحد والطعام الموحد والزوجات الأربع! والتقدم أمامهن في الأسواق، وأمرهن بما يجوز أن يشترين، وما يجوز أن يتكلمن، وما يجوز أن يفكرن! واليوم، إذ نشهد اتجاهات دينية منحرفة وشاذة عن النهج الذي درجنا عليه، نواجه أيضاً "تخرُّصات" الداخلين والداخلات في الدين حديثاً -بعد فشلهن في الحياة- حيث يعبثن بالكلمات ويتخذن النقاب -كلباس إسلامي- لتحقيق غايات بعيدة عن الدين ومبادئه الواضحة. وبدلاً من استثمار الوقت والجهد والتكنولوجيا لخدمة الإنسان العربي والمسلم، نجد هذه الفرق تخاصم الديمقراطية وتعبد الحاكم، وتحارب مطالبات التحرر الاجتماعي والسياسي والفكري، لتعود بالمجتمع إلى عهود "الحريم" وأزمنة الحديث من خلف حجاب، وأنه لا يجوز لأي كائن أن يتحدث أو ينتقد هذه المظاهر وكأن القائمين بها وعليها من الملائكة أو "الأنبياء" لا سمح الله! وبالطبع لن نقلب صفحات التاريخ الممتدة كي نستشهد بمثل هذه الثقافة المتردية، منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى سقوط بغداد على أيدي المغول أو سقوط غرناطة في عهد الطفل المدلل (أبي عبدالله الصغير) الذي لم يستطع المحافظة على مُلك أجداده في الأندلس. وبكى بكاء النساء على المُلك المضيع، كما وبخته أمه في ذلك. نحن أحوج ما نكون أولاً إلى الاعتراف بحق الآخرين في قولهم، والرد على تلك الأقوال بنفس الروح والسياق، دونما المساس بالخصوصيات أو الحط من النهج الفكري للآخر. كما أننا أحوج ما نكون إلى الإيمان بوجود بشر آخرين يعيشون معنا على هذا الكوكب لهم معتقداتهم وأفكارهم ورؤاهم للحياة، وبالطبع لهم سلوكياتهم التي يعتزون بها. وأنه إن كانت أعين البعض قد أصابها "العشي"، من كثرة النظر في الأوراق الصفراء، فإن عقول الآخرين مازالت تفكر وتبحث نحو غد أفضل، بدلاً من رهن الذات والأعصاب والعقول إلى وتد التاريخ الذي لم نقدم للبشرية منه أي اختراع أو أي اتجاه نحو الحرية والديمقراطية والمساواة.