بين الواقع و الخيال
هل جربت عزيزي القارئ مرة الوقوف أمام مصدر للضوء كالشمس مثلا لترى خيالك منعكسا على التراب؟ هل تعتقد أن هذا الخيال يمثلك حق التمثيل؟ هكذا يتم التغيير على المستوى الفردي أو القومي، والسر يكمن في أمرين اثنين في تصوري الشخصي سنختصرهما في نهاية المقال.
في التعليم يقوم صاحب الرؤية التربوية عادة برسم صورة زاهية للمخرجات التربوية التي سيمثلها خريجو النظام التعليمي في قطر ما، هذا هو الخيال، بينما ترتبط الحقيقة بأمور كثيرة أهمها الإمكانات المتاحة والجهد المبذول ودقة التخطيط. هذه المسائل هي التي تحول الخيال إلى واقع أو ربما تخرج لنا واقعاً مشوهاً. في السياسة عندما يصرح بعض الزعماء برغبة جادة في الإصلاح السياسي، وإخراج الشعوب من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وبدور أكبر للقطاعات المختلفة من الأمة، وحل الأزمات السياسية المعقدة، تمثل هذه التصريحات الخيال المرغوب الوصول إليه، لكن الجهد المبذول والخطط المرسومة لهما صورة أخرى تلعب بها ريشة الفنان كي تخرج لنا واقعاً من نوع آخر. القضية الفلسطينية وهي محور الصراع في الشرق الأوسط كما نردد دائما لها خيال، ملخصه تحرير فلسطين، وعودة اللاجئين، وإقامة الدولة الفلسطينية المرتقبة. وتمر الأيام وها هي حقيقية الواقع نراها تتجلى لنا يوما بعد يوم، لنرى أن الجادين فقط هم الذين ينحتون الواقع في صورته، أما الحالمون فلهم مكان في التاريخ لا يحلم به أحد. كنت أتابع وقائع تاريخ "نيلسون مانديلا" محرر جنوب أفريقيا المعروف، بل لقد زرت سجنه التاريخي في جزيرة روبين، ومشيت حيث كان يمشي، ووقفت حيث كان يعذب، وتأملت في المكان الذي رسم فيه صورة بلده المحرر الذي كان يحلم به. لقد كان ذلك المكان غرفة ضيقة تجسد العذاب بكل معانيه، لكن هذا الرجل كان يحمل حلما حقيقيا ضحى من أجله وبذل، رسم وخطط، سعى وجاهد، حتى نال حظه من إعجاب العالم به. هكذا يفعل الزعماء الحقيقيون. دعونا لا نذهب بعيدا نرجع مرة أخرى إلى هذه الأرض التي لم تكن شيئا مذكورا، وجد فيها زعيم اسمه زايد، رسم لها صورة تدل على الزيادة، انطلق من لا شيء، هل زرتم الانطلاقة التاريخية لزايد من العين، لتروا أن تلك الرؤية التي تكونت من لا شيء حققت كل شيء. السر يكمن في الرغبة والتخطيط والجهد المبذول.
على مستوى الأفراد الصورة لها طعم آخر، أنصح دائما بقراءة قصص الأبطال الذين حققوا أمورا للبشرية غيرت مجرى التاريخ، تجدهم جميعا انطلقوا من خيال، فالعلماء والمكتشفون والأدباء وغيرهم مشوا على الخط نفسه فما هو هذا الدرب؟.
لاحظتُ من تتبعي للناجحين والمؤثرين في الحياة وجود أمور مشتركة بينهم على اختلاف مللهم و نحلهم، ومن هذه الأمور أنهم أناس يحلمون أي يرسمون في خيالهم أمورا يضحك منها الناس في البداية لكن هذه الأمور تنقلب إلى حقائق، خيالهم فيه همة راقية وعزم صادق كما قال العربي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
فهؤلاء لا يمشون بهمة متواضعة أولا يحلمون بصورة متخاذلة كما هو حال البعض الرافعين شعار من نحن، فعندما تتكلم مع بعض السياسيين المخذولين تراه يكرر من نحن، وعندما تتحدث مع بعض الأفراد تدعوه إلى تغيير قواقعه رفع راية من الخذلان مكتوباً فيها "مد رجلك على قدر لحافك". فالبداية الضعيفة هي النهاية المهزوزة للبشر.
قد يقول البعض لكننا نحلم كثيرا ولا تتحقق أحلامنا، أقول السر يكمن في المرحلة الثانية من الحلم، إنها خطوة تحويل الرؤية إلى واقع، إنها الخطط الواقعية والجهد المبذول، والتضحية التي يقدمها الإنسان قُرباناً لتحقيق طموحاته. هل رأيتم شعبا تحرر دونما دماء تروي نبتة الحرية كي تزهر بالنصر، أم هل قرأتم في التاريخ عن إنجاز له أثر تحقق بلا تعب؟ وقد أحسن العربي عندما أكمل البيت السابق بقوله:
وما استعصى على قوم منالٌ إذا الإقدام كان لهم ركابا
فلا ينبغي علينا الوقوف عند رسم الصورة، فالفنان الناجح يحمل ريشته حتى يرى الصورة وقد تحركت من الخيال إلى الواقع. السر في حقيقة الأمر لا يكمن في الخيال، بل قد أكون متطرفا بقولي ولا يرتبط بالواقع، لكنه شديد العلاقة بالأمور التي تجري بين الواقع و الخيال.