كثيراً ما تقدم دول العالم نفسها للآخرين من خلال رمزٍ حضاري أو بيئي، أو ما يشعر بالهيبة والقوة، فهذه بلاد الشمس المشرقة، وهذه أرض المئة نوع من الجبنة، والأخرى معروفة بالزنابق السوداء، وتلك بشعار إنسان يحمل شعلة الحرية، وأخرى بالمنجل، وكلما رأيت صور الأبقار الضاحكة و(المبتسمة) والمليئة بالصحة ولترات الحليب الدسم، فإنك تتذكر على الفور أوطانها الخضراء المسالمة، وقس على ذلك رموز الشيكولاتة والجبال المكسوة بالأشجار والثلج، وينابيع المياه والأنهار المتدفقة، أو النجوم الزاهرة المتحدة كدلالة على الاتحاد والمنعة. إنها رموز وشعارات وأعلام ذات دلالات مختلفة لبلدان في شرق الأرض وغربها، بلدان تريد أن تقول لك إنها حيةٌ وذات رسالة، أو أنها رمز للنماء والعطاء الإنسانيين والأمان والفنون والعلوم، وصحة بيئة البشر والحيوان، وفحولة ربيع الأمم، وشباب ما فيها بدايةً من الكتاب... وحتى القطارات ذات الوسائد المغناطيسية؛ لكن بلاداً شاسعة أخرى تشذ هذه الأيام -وحتى من قبل ذلك- عن كل هذا العنفوان في إبراز محاسن الشعوب وبلاد الله ذات الألوان والألسن والطبائع والإبداعات المختلفة؛ بلاد أخرى تقدم نفسها للعالم عبر بكائيات لا تنتهي ونعوش طويلة لبنيها لا حصر لها، وقبور تتزاحم حتى ضاقت الأرض بما رحبت برفات أهل الملة الواحدة، لا شيء يقدمونه لعالم اليوم إلا تلك الصور للمفجرين أنفسهم في مدرسة أطفال من يدعون بـ"المنافقين" أو مشافٍ لمصابي رصاصات مقسمي العالم إلى فسطاطين.. خير وشر، أو في سرادق عزاء لقتلى سبق نحرهم امتثالاً لمفهوم مغلوط اسمه "الولاء والبراء". لا تكاد تفتح -يومياً- صحيفة أو تشاهد قناة إخبارية تلفزيونية، أو مشهداً في شبكة عنكبوتية، إلا ودموع الباكستانيين والأفغان والعراقيين واللبنانيين واليمنيين والسودانيين والصوماليين والفلسطينيين والأكراد والعرب والبربر، هي العنوان الأبرز والأهم في ناقلي الخبر العاجل، لينعكس بعد ذلك كل تلك الآلام على روحك لتمزقها وعلى نفسك لتحبطها مما تراه وتسمع وتقرأ. توقفت أعمال المنظمات الإنسانية المهتمة باللاجئين إلا في ديارنا، والشغل الشاغل للجان ومؤتمرات حقوق الإنسان مخصص لهذا المعذب في الأرض الفلسطينية من جراء رصاص المحتل إن سلم من قذائف وعبوات الإخوة وأبناء العم، مؤتمرات وتوصيات تخصص لمن تبقى عالقاً بين المتحاربين في شرق العالم الإسلامي وغربه وشماله وجنوبه.. إلخ. القراصنة أصبحوا من أساطير الماضي إلا في زوارقهم المبحرة من وإلى شواطئنا العربية والإسلامية، وكل دول العالم أصبحت معروفة حدودها بالميليمتر إلا عند من يملكون ملايين الكيلومترات من أراضي صحراء قفر لا وجود لحياة في جبال ملحها ورمالها؛ والعرس الديمقراطي المتمثل في انتخاب رئيس جديد أو أعضاء برلمان انتهت مدته، هو أحد طقوس الحياة السياسية في كل بلاد الدنيا تقريباً، إلا في بلادنا التي تتضمن دساتيرها بنداً عجائبياً لا سابق له في كل العقود الاجتماعية العالمية إنه.. (الرئيس مدى الحياة !!) لا يُعرف هذا إلا في بلادنا التي تعرف نتائج (الاستفتاءات) قبل موعد الدورة الجديدة بدورتين! إلا في بلادنا التي تتضمن أجندة وبرامج المرشحين فيها وأنصارهم البنادق والعصي والشومات ! اختفت -تقريباً- قوارب المطاط المبحرة بالمهاجرين من قارات البؤس إلى قارات الأحلام والأماني، عدا قوارب تحمل أشخاصاً لهم سمات عربية انكسرت قلوبهم وتحطمت دوافعهم وتبددت مشاريع مستقبلهم، ولم يعد أمامهم إلا شواطئ شمالية امتلأت بالفرص الواعدة وبالبنادق وقيود السجون أيضاً.. إن لم تتكفل حيتان البحار بتوفير كل تلك الآمال والمخاطر والإبعاد. ستجد الكثير من اللغط والمناقشات والحوارات في العوالم الأخرى، عن شفرة الجينات وعن نواقص نظرية الثقوب السوداء وتمدد الكون، عن معاني ابتسامة الموناليزا، وعن أيام "شكسبير" الأخيرة، عن آخر أهداف النادي الملكي، وعن قائمة أكثر الأفلام إيراداً، عما لم يكمله "بتهوفن"، والوصايا الخفية للبيتلز، وإن لم يكن هذا وذاك فعن آخر اكتشافات زراعة الأعضاء الجذعية ولقاح فيروس في طور التكون والولادة. أما في بلاد أول الآيات المنادية بالقراءة، وفي بلادٍ تردد قولا مأثوراً قديماً عن طلب العلم ولو في الصين، فلن تجد على الأكثر سوى أحاديث عما خفي في حروب الفتن، وعن المؤيد والمنكر لرضاعة الكبير، وعن (عقلانية) المعتزلة عندما نادت بحتمية خلق القرآن، وإن لم تدرك هذا ولا ذاك فلن تجد إلا ملاسنات بين "المعطلة" و"المشبهة"، وإن تبرمت مما تسمع وتقرأ وتشاهد فلك أن تختار بين تسريبات وإشاعات عن الفساد والإهمال في حوادث القطارات والعبَّارات والطائرات التي تكفلت بما لم تحط به حروب العرب والمسلمين العبثية. بلاد الموز اختارت من بينها دولة لتكون أسعد بلاد المعمورة في العيش، وفاز كثيرٌ من البلاد التي سُمع في أرجائها خطب منذ أكثر من ألف عام تقول: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، أو "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، فازت بذيل قائمة السعادة الإنسانية وشمول الرعاية وحكم القانون.. أي قانون! احتفلت بعض دول العالم بمضي مئة عام على آخر أميٍّ لديها، وتشير ساعتنا السكانية في كل ثانية إلى أننا نستقبل أطفالاً جدداً يضايقون أطفالاً قبلهم جياعاً معدمين لا يكادون يقرؤون سوى طلاسم من يستغلون حاجتهم وعوزهم الفكري والمادي. يصمم بعض العالم على بناء قاعدة له على أراضي أحد الكواكب الشبيهة بالأرض، وتتبارى كهوفنا في تقديم ملخص يأتي من الغيب، أو قائد يعطي إشارة البدء لغزوة جديدة في ناطحة سحاب "مشركة"، أو دار رعاية أيتام موحدة! بلاد نعوشستان تكثر فيها قديماً شواهد حضارات الموت والعدم، وتزدهر فيها هذه الأيام صناعة الموت وبناء النعوش، وخطاطو شواهد قبور قتلى أشباه زيدٍ الذي لم يكتفِ -قط- بضرب عمرٍ منذ أزمان بعيدة.