صدر مؤخراً كتاب للمؤلف "جاري ويلز" أستاذ التاريخ في جامعة "نورث ويسترن"، وصاحب المناظرات السياسية الشهيرة، وربما الفيلسوف أحياناً كذلك، فضلاً عن كونه لاهوتياً وأستاذاً للتاريخ الكنسي. وقد أثار هذا الكتاب عليه سخط الليبراليين بسبب الانتقادات اللاذعة التي وجهها إلى أوباما، مبيناً أخطاءه وأخطاء عدد من الرؤساء السابقين استناداً الى قوة السلاح النووي الذي بحوزتهم. ففي كتابه "سلطة القنبلة" يحاجج هذا المؤرخ بالقول إن تطوير القنبلة النووية سراً في المختبرات العلمية تحت مسمى ما كان يعرف حينها بـ"مشروع مانهاتن" في عهد إدارة روزفلت، قد منح الرؤساء الأميركيين سلطة شخصية قوية حررتهم منذ ذلك الوقت من أية رقابة دستورية على تلك السلطة المطلقة التي يتمتعون بها. ويعني هذا بالتبعية انفصاماً عنيفاً في نظام الحكم الأميركي برمته. وبوصفه لتلك السلطة التي يتمتع بها الرئيس الأميركي بالتفرد والاستثنائية، إنما قصد الكاتب "جاري ويلز" القول بخضوع الشعب الأميركي الدائم لأوامر قائد أعلى وضعت بيده أعنف قوة دولية عرفها العالم. وفي هذه الحجة ما يثير اهتمامي شخصياً، دون أن يمنعني ذلك من القول بخطأ مؤلف الكتاب في اعتقاده هذا. والسبب أنه ليست لذلك الافتراض أدنى صلة بأوباما، بشكل خاص، الذي ينتقد أساساً بسبب عجزه عن استغلال السلطة السياسية القومية الممنوحة له بغية تحقيق الإصلاحات التي تعهد بها خلال حملته الانتخابية الرئاسية. وقد كان هذا العجز مصدر خيبة أمل كبيرة لـ"الديمقراطيين" الذين صوتوا له ودعموه اعتقاداً منهم بأن قناعات أوباما تتطابق مع قناعاتهم الخاصة. وللتذكير، أن أوباما من بين تلك التعهدات، كان قد قطع على نفسه عهداً بتوسيع نطاق الحرب الأفغانية الدائرة -خاصة أنه يعتقد أنها هي الحرب الصحيحة التي ينبغي خوضها- مقابل سحب جنوده من ساحات الحرب العراقية -التي هي الحرب الخاطئة في اعتقاده. غير أن النظرة الواقعية إلى ما يجري فعلياً في العراق، تثير الكثير من الشكوك في إمكانية تنفيذ ذلك الوعد. صحيح أن أوباما وفى بوعده الأفغاني، وذلك بزيادته لعدد القوات جنباً إلى جنب مع توسيع المهمة التي كلف الجنود بالقيام بها هناك. ولكنه أخفق في الوقت نفسه في تقديم إجابة مقنعة للرأي العام الأميركي عن السؤالين الرئيسيين اللذين تثيرهما الحرب: كيف تخدم هذه المواجهة المسلحة الجارية في أفغانستان مصالح أميركا الأمنية؟ وكيف لها أن تسهم في بسط الأمن والسلام في منطقة آسيا الوسطى كلها؟ وبينما وعد أوباما بالبدء في عملية سحب قوات بلاده من أفغانستان في العام المقبل، لم يوضح أيضاً بعد طبيعة "النصر" الذي سعت واشنطن إلى تحقيقه هناك. فمن المؤكد أن هذا "النصر" لا يشمل هزيمة حركة "طالبان" أو إرغامها على الاستسلام بأي حال. وفيما يبدو، فإن المقصود بـ"النصر" هنا هو تمكين العاصمة الأفغانية كابول من الدفاع عن نفسها دون حاجة إلى وجود القوات الأميركية في بلادها. حسناً، ولكن ماذا لو لم يتحقق أيضاً هذا التوقع عملياً؟ هذا ما يذكرنا للأسف بحرب فيتنام مجدداً. فعندها كان قد ساد الاعتقاد في أوساط واضعي السياسات الدفاعية والأمنية، بأن إحراز النصر هناك، يكمن في "فتنمة الحرب" التي شنتها أميركا من الأساس. وكانت تلك الفكرة قد تبلورت في وقت ما من عام 1973، عقب مفاوضات باريس التي جرت بين وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر والمفاوض الفيتنامي الشمالي "لو دك تو" حينها بشأن الاعتراضات المتكررة من جانب فيتنام الجنوبية على شروط صفقة السلام المقترحة بين شطري البلاد. وكان المقصود باستراتيجية "فتنمة الحرب" تلك تخلي واشنطن عن عميلتها الوكيلة حكومة سايجون لتواجه أعداءها بنفسها، مع العلم أن فيتنام الجنوبية كانت قد عجزت عن هزيمة غريمتها عسكرياً على رغم مساندتها حربياً بنصف مليون جندي أميركي، إضافة إلى مدها بأحدث ما أنتجته تكنولوجيا الحرب الأميركية في ذلك الوقت. وكانت خطة "الفتنمة" قد أتبعت بوعد من جانب واشنطن مفاده أنه وفيما لو استأنفت فيتنام الشمالية إشعال الحرب مجدداً بهدف السيطرة على سايجون، فستستخدم ضدها الولايات المتحدة استراتيجية القصف الجوي. وعلى رغم عدم حصول البيت الأبيض على موافقة الكونجرس على تلك الخطوة، إلا أن الولايات المتحدة واصلت قصفها لفيتنام الشمالية طوال ما يقرب من العقد من الزمان، دون أن تحقق أي نتائج تذكر. ولدى العودة إلى ما قاله مؤلف الكتاب المشار إليه أعلاه من تحميل السلاح النووي مسؤولية أخطاء السلطة الاعتباطية المطلقة التي يتمتع بها الرؤساء الأميركيون، نقول له إن تلك السلطة المفرطة، لم تثمر في ساحات حرب فيتنام، إلا خيبة وإهانة ما بعدها إهانة للأميركيين. كما أشار الكاتب "جاري ويلز" إلى الحرب الكورية باعتبارها مثالاً آخر على خطأ تلك السلطة المفرطة التي استمدها الرؤساء الأميركيون من إمساكهم بأزرار القنبلة النووية. وللتذكير أيضاً، فإن الحرب الكورية كانت قد نشبت نتيجة رد عسكري أميركي على هجوم معادٍ استهدف قوات الاحتلال المرابطة في كوريا الجنوبية إبان الحرب العالمية الثانية. ونذكّر الكاتب المؤرخ أيضاً بأن تلك الحرب كانت خيبة أخرى كبيرة لواشنطن، تمخضت عنها أزمة بين كوريا الشمالية وقوات حفظ السلام الأممية بقيادة أميركا في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية، لم تحل منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا. كما ينطبق الحكم نفسه على سلسلة تدخلات واشنطن العسكرية في منطقة الكاريبي وإفريقيا والشرق الأوسط، ثم حالياً أفغانستان والعراق، وربما اليمن وباكستان لاحقاً، فيما أورده المؤلف من أمثلة على أخطاء القوة المفرطة التي يتمتع بها الرؤساء الأميركيون. والحقيقة أن هذه الأخطاء لا تعود إلى حيازة قادة البيت الأبيض للقنبلة النووية، وإنما تعود إلى انحرافهم عن معاداة النهج الإمبريالي التوسعي الأوروبي. وقد أسفر ذلك العداء للإمبريالية عن ميلاد "عصبة الأمم" التي شكلت نواة لنشأة الأمم المتحدة فيما بعد باعتبارها كياناً دولياً مناهضاً لصناعات الحرب وداعياً للأمن والسلام بين الشعوب. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيسز"