انتشار الفكر والمال
مشكلتنا نحن معشر الكتاب مع دور النشر وأذرعها الطويلة، أننا نريد نشر الفكرة في أعظم عدد ممكن من المنابر، لأوسع قطاع من شرائح القراء، وبأكثر من لغة... وهم يريدون احتكار الكلمة، في عمل نصف مبرر؛ فلا تنطق الموسيقى إلا من ربابة بعينها! نحن نريد للنوت الموسيقي أن يدخل بطن أي آلة، وهم يريدون تكرار الصوت بآلة مفردة، فما العمل؟
الموسيقى بآلة واحدة، كالعود، جميلة، لكن تكرارها ممل، ولو كانت أشجى الأنغام. وحين سمع الضابط الفرنسي السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، ذُهل من سحر انسياب الأنغام؛ فصرخ في قاعة علاها خشوع الصمت: جاء الإمبراطور! يقصد الكمال الذي ما بعده كمال.
وعندما سمع مشركو قريش سورة النجم سجدوا لهذا المزيج المذهل المتدفق، من عمق المعنى، وبديع الكلام، وتماسك الأفكار، وجرس الصوت، وموسيقى الألفاظ.
الطبيعة نوعت الأنغام بين عويل الريح وحفيف الشجر، بين هزيم الرعد وخوار البقر، بين خرير المياه وطنين النحل، بين هديل الحمام وشدو البلابل... في سيمفونية كونية رائعة. أما نحن فنريد احتكار كل شيء بما فيه الفكر.
لكن لابد للفكرة إن تتنفس وإلا اختنقت. والدماغ الذي لا يدخله أكسجين تموت فيه النورونات احتراقا، والماء الذي لا يتدفق يتحول إلى مستنقع. والدم الذي لا يجري في شرايين الجسم، يصيب الأعضاء النبيلة بالتخثر القاتل. والمال الذي لا ينساب في مؤسسات المجتمع، يصيب المجتمع بالتشقق إلى طبقات وشيع.
كان الفيلسوف محمد إقبال في دعائه يقول: يارب إما أن ترسل لي من يفهم عني، أو تنزع هذه الأفكار من رأسي!
إن انحباس الأفكار في دماغ المفكر يدفعه للجنون أو الانتحار أو الانسحاب، ولم يكن صدفة أن انتحر ستيفان زيفايج الذي يعد أحد أعظم الروائيين، في ظروف صعود النازية.
إن كلا من الفكر والماء والدم والمال تمثل طاقات نوعية. الفكر للعقل، والماء للطبيعة، والدم للبيولوجيا، والمال للمجتمع. وكما كان الدم أحمر في الأوعية، كذلك كان الدم الأصفر (الذهب) في شرايين المجتمع. وكل جهاز له طاقة تحريك؛ فالفكر يشغل جهاز العقل، والأرض تحيى بعد موتها بالماء، والدم ينقل الأكسجين والغذاء. والمال دم المجتمع، وويل لمجتمع لا يحسن تفتيت الثروة، أو عدم الاستفادة من إصلاحات صولون الاقتصاد الاجتماعي كما فعلت أثينا ذات يوم فنجت من الثورة المدمرة للثروة!
إن أكسجين الفكرة سريانها بدون حدود، من خنادق نحبسها في منابر بعينها؛ فنشاط المجتمع هو من نشاط حيوية نظامه المعرفي.
نحن في العالم العربي نعاني من اختناق فكري، نئن من عفن الماء الاجتماعي؛ ونكابد جراء ركود الحياة السياسية.
نحن نشكو بدون أمل في الخروج من النفق المسدود، نشكو من فوضى توزيع الثروة ضمن البلد الواحد، وبين الدول العربية، فمن يملك الثروة في كثير من الأقطار العربية هي فئات شرهة إلى الثراء ومزيد من المال.
ومع هذا فالكلمة الطيبة تستعصي على الاحتكار، والطيور النشيطة تحب الهجرة، والدماغ يحتاج إلى أكسجين، والعقل إلى تجديد الفكر، والجنين يخرج في النهاية من بطن أمه، كما تغادر دودة القز شرنقتها!