في إطار الحراك الثقافي الدائر في عدد من البقاع العربية، تتنامى دعوة حثيثة لـ"إحياء" التراث العربي وتحويله إلى قوة فاعلة في مواجهة الواقع العربي والإسلامي الراهن، الآخذ في التفكك والتناثر أكثر فأكثر وأعمق فأعمق. ويُلح بعض الدّاعين إلى ذلك من المثقفين على أننا أصبحنا عُراة في هُزالنا وضعفنا، وعلى أننا غدونا هدفاً سهلاً لكل طامع ومغامر، بحيث لم يعد أمامنا إلا أن نستسلم لهؤلاء، سواء كانوا أميركيين أم بريطانيين...إلخ، برضى وسكينة، أو أن نُمعن النظر عميقاً في ما تبقى لنا وحيداً، وهو تراثنا "الحي الذي لا يموت". ويتابع هؤلاء معلنين أن إخفاق الدعوات السابقة للعودة إلى تراثنا ما كان له أن يحدث، لو أن الذين وقفوا وراءها اتخذوا مسلكاً آخر في ذلك، بعد أن يكونوا اكتشفوا المنطلَق إليه.
أما في تفصيل حيثيات الموقف، فقد برزت تلك الدعوة في بعض مراكز البحوث الإسلامية في لبنان وسوريا، حيث رأى بعضهم أن النظر إلى التراث العربي الإسلامي "من موقع حاضرنا الملوث والمهزوم" لن يُنتج إلا "قراءة ملوثة ومهزومة" لهذا التراث. وبهذا، يكون منهج النظر من موقع الحاضر المذكور، منهجاً زائفاً وصيغة من صيغ التلوث والهزيمة، مما يترتب عليه أن نحول أنظارنا باتجاه التراث نفسه. فهذا الأخير هو - خصوصاً في منظوماته القيمية الأخلاقية- مرجعيتنا وهُويتنا وملاذنا.
وهو - كذلك في منظوماته المنهجية والنظرية- مرجعيتنا في فهم الحاضر وفي كيفية تجاوزه إلى رحاب الاستقرار والكرامة والتقدم. وبكلمة واحدة، يقول أصحاب الدعوة المشار إليها، إن الحاضر- بعُجره وبجره- مصدر للضعف والظلم والباطل، لا يستحق إلا أن "يُرمى به إلى النار"؛ مما يعني فساد المناهج الراهنة العربية، ناهيك عن المناهج الراهنة الأجنبية.
في هذه الحال، لا توجَّه الإدانة إلى "مناهج التراث" المذكورة فحسب، وإنما كذلك إلى المناهج المعاصرة المتحدرة من العلوم الاجتماعية والإنسانية والسياسية والفلسفية، عموماً وإجمالاً. وفي ناتج القول، تُنفضُ اليد -بمقتضى ذلك- من العلوم المذكورة كلها ومن كل ما يقترب منها ويتعلق بها؛ في حين يظل الإقرار قائماً بالعلوم الطبيعية والتكنولوجية والمعلوماتية وما يقترب منها ويتعلق بها؛ بقدر ما يظل قائماً كذلك على صعيد مناهجها، التي تتعامل معها وعبرها.
وإذا تتبعنا المسألة في تاريخ سابق لها، وجدنا وجهاً آخر لها مناقضاً لما تقدم وعلى يد مفكر مصري معروف هو الراحل زكي نجيب محمود. ففي كتابه، الذي يحمل عنوان "تجديد الفكر العربي"، ينظر محمود إلى التراث العربي (الإسلامي) مجسّداً في نسقين اثنين، يتمثل الأول منهما في ما تحقق من نظريات ومنظومات وآراء ومواقف علمية (ضمن ما يطلق عليه العلوم الدقيقة)، بينما يتمثل الثاني في العقائد والتقاليد والتصورات الأسطورية... إلخ. وحين نطرح السؤال عما نأخذ من تراثنا، يجيب محمود: نأخذ بالنسق الأول، ونرمي بالثاني إلى النار. وهكذا، نؤسس -برأيه- لنهضة علمية عربية جديدة. ومن شأن هذا أن يضع يد الباحث على نموذجين اثنين للنظر إلى التراث العربي. الأول يرفض الحاضر رفضاً قاطعاً لصالح التراث (كما يراه)، أما الثاني فيرفض التراث رفضاً انتقائياً لصالح الحاضر.
وإذا كان النموذجان الأخيران يلتقيان في أن الواحد منهما ينتهك النظرة التاريخية إلى الأمور ويكسّر السياق التاريخي لها، فإنهما يختلفان في الظروف التاريخية، التي ينطلق منها كل منهما. فزكي نجيب محمود رفض التراث العربي أو رفض بعضاً منه رفضاً مجانياً غير نقدي لصالح حاضر كان يتفاءل به ويراه مفتوحاً، خصوصاً أنه كان يعتقد أن الغرب الأميركي-الأوروبي يمكن أن يكون مساعِداً في الخلاص العربي (الإسلامي) عبر ما يمكن أن يقدمه للعرب والمسلمين؛ وقد كان ذلك في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. أما أصحاب النموذج الثاني فينطلقون من المرحلة المعاصرة، مرحلة الخراب، الذي يزرعه الأميركيون وحلفاؤهم في العالم، ومن ثم مرحلة التشكيك الحاسم - إلى حدّ كبير- في هؤلاء بمثابتهم "رُسُل حضارة وديمقراطية"، كما يعلنون هم عن أنفسهم.
بيد أن ذلك التشكيك بهؤلاء الرسل من قِبل بعض المثقفين العرب، الإسلاميين تخصيصاً، تأسس على شعور مرير بالأزمة والإخفاق، وبالاعتقاد بأن الغرب عموماً، والأميركيين بكيفية خاصة، هم وراء هذا الشعور وباعثه. وبذلك وعلى نحو خاطئ وزائف، جرت المطابقة بين الغربيين وبين ما تحقق في الغرب من تقدم على صعيد العلوم والمناهج العلمية، بحيث قاد ذلك إلى رفض الصالح مع الطالح. ولا يقتصر الأمر على إدانة الغرب عامة، وإنما قاد ذلك - ضمن الظروف المأساوية الخطيرة التي يعيشها العالم العربي- إلى الانسحاب إلى الماضي العربي الإسلامي انسحاباً ماضوياً، أي رافضاً للنظر إلى الماضي إلا منه ومن داخله هو نفسه. ومن شأن هذا أن يقود إلى سيئتين اثنتين، تقوم أولاهما على الخروج من العصر وعليه باعتقاد أنه كله موضع إدانة وتفريط وربما كذلك تكفير، في حين تبرز السيئة الثانية في التفريط في إم