مع انطلاق المفاوضات المباشرة في واشنطن بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية أميركية وبحضور، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ونتنياهو، وبمشاركة الرئيس المصري والعاهل الأردني، من الضروري التأكيد على أن حظوظها تبقى ضئيلة مع استبعاد نجاحها، أو قدرتها عل تجاوز موعد 26 سبتمبر المقبل عندما يتوقع أن يوقف نتنياهو تجميد البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، فقد استبق الرئيس عباس هذه الخطوة الإسرائيلية بإعلان نيته الانسحاب من المفاوضات المباشرة إذا استأنفت الحكومة الإسرائيلية أنشطتها الاستيطانية، هذا في الوقت الذي سكت فيه أوباما عن الخطوة التالية في حال تعثر المفاوضات وفشلها، وحتى بدون هذه العقبة القادمة القريبة، واستنادًا إلى تجارب الماضي، فإن من المرجح أن تنتهي المفاوضات من تلقاء نفسها دون تحقيق نتائج حالما تنقضي انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي في نوفمبر المقبل. فمعطيات الواقع لا تدعو إلى الاعتقاد بأن المفاوضات الحالية هي شيء آخر عدا كونها مسرحية سياسية، وذلك على رغم استمرار بعض المتفائلين في انتظار اتفاق مستحيل، أو معجزة خارقة. فالمباحثات الجارية ذات أهمية هامشية بالنسبة للحملة الانتخابية الأميركية لأن فائدتها في دعم حظوظ الحزب "الديمقراطي" وأوباما تبقى متواضعة وغير مؤثرة كما يعتقد البعض بالنظر إلى انصراف الأميركيين إلى التفكير في همومهم الاقتصادية ومشاغلهم الداخلية. وحتى لو فشلت المفاوضات لا يمكن الإلقاء باللائمة على أوباما، أو إدارته دون الأطراف المباشرة للصراع في نظر الرأي العام الداخلي الأميركي. ومن جهة أخرى تنعدم البدائل بالنسبة لمحمود عباس وشركائه العرب، وهو ما يفسر إلى حد كبير الموافقة على استئناف مفاوضات مع شريك إسرائيلي ذي توجهات يمينية معروفة. فعندما أصبح نتنياهو رئيساً للوزراء في إسرائيل أول مرة في عام 1996 توجه إلى "دافوس" لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا، وهناك عقد مؤتمراً صحفيّاً حضرتُه إلى جانب العديد من رجال الإعلام والمسؤولين الذين تسابقوا لمعرفة ما سيقوله رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد حينها، فجاء خطابه واضحاً وصريحاً ملخصاً فيه موقفه من الفلسطينيين الذي لا أعتقد أنه تغير اليوم، فقد قال إنه يتعين تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى وحدات متباعدة بكيفية تحرمها من الاتصال الجغرافي الضروري لقيام دولة فلسطينية، وأضاف أن ذلك سترافقه ترتيبات أمنية يشرف عليها مسؤولون عسكريون، كما سيتم بناء طرق خاصة لا يسمح للفلسطينيين باستخدامها لدواعٍ أمنية، فضلا عن السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني وعلى صادراته ووارداته، ثم زرع مستوطنات إسرائيلية مؤقتة للتحكم في الموارد المائية وباقي المواقع الاستراتيجية التي ستحظى بحماية عسكرية خاصة وستكرس الهيمنة على الأراضي الفلسطينية. وهذه الرؤية التي فصلها نتنياهو خلال مؤتمره الصحفي ذاك تتعارض طبعاً مع القانون الدولي الذي يعتبر الأراضي الفلسطينية مناطق محتلة تتحمل فيها إسرائيل مسؤوليتها القانونية ولا يمكن تغيير معالمها، أو تقرير مصيرها إلا في إطار المفاوضات بين الطرفين. ولا يحتاج نتنياهو إلى التأكيد مرة أخرى أن المفاوضات لن تنتهي أبداً بقيام دولة فلسطينية مستقلة، بل هي تجري للتفاوض حول الدولة العتيدة فيما تعمل إسرائيل واقعيّاً على نسف مقوماتها والحيلولة دون قيامها. وقد ساعدت إسرائيل في مخططها الأخطاء الفلسطينية والعنف الذي استهدفها في مرحلة من المراحل، بالإضافة إلى الدعم الأميركي المستمر وعدم اكتراث الاتحاد الأوروبي بما يجري بالقرب منه، أو ربما جبنه وافتقاده لإرادة الحركة. ويبرر الأوروبيون هذه السلبية في التعامل مع معضلة الشرق الأوسط بالقول إن النازيين كانوا أوروبيين، وذلك على رغم أن الأوروبيين أنفسهم ممثلين في البريطانيين وباقي الجيوش الأوروبية والروس قاتلوا النازيين في الحرب العالمية الثانية وهزموا جيوشهم وحرروا اليهود. ولكن الأوروبيين يتعاملون مع معاناة اليهود وكأنهم كانوا جميعهم نازيين، وأنهم جميعاً مسؤولون عن المحرقة اليهودية دون أن ينتبهوا إلى دورهم في نكبة الفلسطينيين وما حدث بعد الحرب العالمية الثانية عندما كوفئ ضحايا "الهولوكوست" بمنحهم أرض فلسطين من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. واليوم وبعد انطلاق المفاوضات التي حددت لها إدارة أوباما مدة عام للتوصل إلى نتيجة لابد من التساؤل عما سيحدث بعد فشل المفاوضات كما هو متوقع؛ الحقيقة أنه لن يحدث شيء إذ ستستمر الولايات المتحدة في تحميل المسؤولية للجانب الفلسطيني الذي أدمن إضاعة الفرص، وستحصل إسرائيل على ما تريده بإطلاق يديها في الأراضي الفلسطينية، والله وحده يعلم ما سيحدث للفلسطينيين بحيث يبدو القتل ومزيد من المعاناة هو المصير الحتمي، وهو ما قد يشعل المنطقة بالمزيد من العنف والانفلات الأمني. وحتى لا أبدوا متشائماً فإنني أرى بريقاً من الأمل حتى وإن كان بعيداً يتمثل في نهوض الاتحاد الأوروبي بمسؤولياته الإنسانية والأخلاقية والتاريخية تجاه اليهود والفلسطينيين واتجاه السلام العالمي من خلال الاعتراف بفلسطين كدولة تعيش بسلام ضمن حدودها كما ينص على ذلك القانون الدولي، وإقامة علاقة طبيعية في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والتجارية معها. ولاشك أن ذلك سيواجه بمقاومة إسرائيلية وأميركية ما سيدفع الاتحاد الأوروبي وباقي دول العالم إلى الاحتماء بالأمم المتحدة والسعي لحمل إسرائيل على احترام القانون الدولي والاعتراف بفلسطين كدولة مستقلة بعيدة عن الاحتلال الأجنبي. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "ميديا تريبيون سيفرفيسز"