عندما نسمع كلمة "برابرة"، عادة ما تذهب أذهاننا إلى ذكر القادة المتوحشين الدمويين من أمثال القائد المغولي جنكيز خان، وزعيم قبائل "الهن" أتيلا وغيرهما. بيد أن مؤلفتي هذا الكتاب الذي نعرض هنا، "برابرة الثروة"، وهما ساندي فرانكس وسارة نونالي، تؤكدان استمرار وجود برابرة معاصرين في مجتمع القرن الحادي والعشرين. وقد أكد هذا المعنى، العنوان الفرعي للكتاب "كيف تحمي أموالك من أتيلات اليوم"، في إشارة إلى زعيم قبائل "الهن" البربرية المتوحشة. وحسب المؤلفتين، فإن برابرة اليوم هم مؤسسات سياسية مالية وأفراد جشعون، طالما تراكمت لديهم مهارات التلاعب بالنظام الاقتصادي المالي، وأتقنوا تطويعه لخدمة مصالحهم الذاتية. وتشمل القائمة عدداً كبيراً من المؤسسات والأفراد، بينهم رؤساء سابقون للبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ورؤساء ومدراء تنفيذيون لكبريات الشركات المالية والبنوك، وقادة بارزون في الكونجرس وغيره من المؤسسات السياسية الحكومية. ولا تشير المؤلفتان تلميحاً إلى هذه المؤسسات والأفراد، بل تتناولا تفصيلاً دور كل طرف في نهب وتخريب الاقتصاد القومي الأميركي. وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، يتناول أولها مقارنة تاريخية بين برابرة القرون الوسطى وبرابرة اليوم. أما الثاني فيدرس أسباب وجذور الأزمة المالية الحالية، بينما يعتبر القسم الثالث من الكتاب بمثابة نصائح مالية استثمارية لعامة الجمهور. وفي الجانب التاريخي كانت القبائل البربرية بقيادة زعماء من أمثال خان وأتيلا، قد اجتاحت أوروبا، ودمرت الكنائس والبيوت والممتلكات الشخصية، ونهبت من القرى والمدن ما استطاعت. ولم تكن دوافع برابرة القرون الوسطى وراء كل ذلك التخريب دينية أو سياسية، بقدر ما كانت تعبيراً عن نهم لا يشبع لجمع المال والثروة. والمؤسف -على حد قول المؤلفتين- أن دورة التاريخ هذه نفسها قد عادت بأساليب جديدة تمظهرت في مؤسسات المال والسياسة الحديثة، ممثلة في أسواق وول ستريت والبنك الاحتياطي الفيدرالي، وشركات مثل "إي آي جي" و"جولدمان ساكس" و "جي بي مورجان" و"ميرل لينش"، وعدد من القادة الاقتصاديين والسياسيين. وبهذا الجشع الذي تتقدم فيه المصلحة الذاتية الخاصة على ما عداها، يظل البربري بربرياً وإن اكتسى سمتاً عصرياً براقاً في عالم القرن الحادي والعشرين. ومثلما جرّد برابرة الأمس البعيد الأوروبيين من ثرواتهم وبيوتهم وكل ما كان لديهم، بمعنى أنهم جففوا حياة الأوروبيين وصادروا منها أي بادرة أمل في حياة أفضل في ذلك الوقت، فقد فعلَ الشيء نفسه بالأميركيين وبشعوب كثيرة في مختلف أنحاء العالم، برابرةُ العصر بنهبهم لثروات الأفراد وممتلكاتهم عبر سلسلة من الحيل والأساليب المالية التي أتقنوا تدبيرها. وفي هذا الجانب التاريخي من الكتاب، تحاول المؤلفتان الكشف عن جذور الفساد المالي والاحتيال في البنك الاحتياطي الفيدرالي وغيره من المؤسسات والشركات الأميركية، وكيف يتم التنسيق بين هذه المؤسسات وأجهزة الحكم في واشنطن. وفي هذا الجهد محاولة من المؤلفتين لإسناد مظاهر الأزمة المالية الأخيرة إلى تاريخ من النهب وتغليب المصلحة الخاصة منذ غزوات برابرة القرون الوسطى الأوروبية. فذلك هو المنطق الذي يفسر الأزمة ويكشف عن علتها الرئيسية في نظر الكاتبتين. ويرتبط بهذا المنطق الجزء الثالث والأخير من الكتاب، الذي يحوي نصائح وإرشادات مالية للجمهور بهدف حمايته من أساليب النهب المؤسسي لممتلكاته وثروته. وتحاولان فهم الكيفية التي تجني بها البنوك والمؤسسات المالية الاستثمارية أرباحها الطائلة من العملاء عن طريق النهب والاحتيال عليهم بشتى السبل. والمثير للملاحظة أن المؤلفتين أضافتا خطة إنقاذ البنوك والمؤسسات المالية الكبرى من الانهيار -وهي الخطة التي تبنتها إدارة أوباما بتخصيص أكبر ميزانية لها في التاريخ الأميركي- إلى أساليب الاحتيال على عامة الجمهور وسرقة أمواله، شأنها شأن غيرها من التكتيكات الأخرى التي تستخدمها جماعات النهب المؤسسي. وبدون فهم العوامل التي أدت إلى انهيار النظام المالي مؤخراً، فإنه تتعذر على أفراد عامة الجمهور حماية أنفسهم من أساليب الاحتيال هذه، كما يستحيل عليهم استرداد حريتهم المالية التي سلبت منهم. ولا تكتفي المؤلفتان بمجرد التحذير والإرشاد، بل تقترحان كذلك استراتيجية متكاملة لمساعدة الجمهور على حماية أمواله وممتلكاته من النهب المنظم الذي تمارسه المؤسسات موضوع النقد في كتابهما. ومهما يكن، فإن هناك من المعلقين على الكتاب من وصفه بأنه صرخة أخلاقية مدوية في وجه النهب، طغت عليها الانفعالات والقفز المتسرع للاستنتاجات النهائية، أكثر من كونه دراسة اقتصادية اجتماعية موضوعية هادئة لطبيعة الصراع الاقتصادي الاجتماعي الدائر في النظام الرأسمالي الأميركي، وبالتالي الكشف الموضوعي عن الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية والسياسية والأفراد موضوع الكتاب. ولن تفيد صفة "البربرية" في نقد ما هو جوهري ومتأصل في طبيعة النظام الاقتصادي السائد في أميركا، على حد رأي منتقدي الكتاب. عبدالجبار عبدالله الكتاب: برابرة الثروة المؤلفتان: ساندي فرانكس وسارة نونالي الناشر: شركة "وايلي، جون المتحدة" للطباعة والنشر تاريخ النشر: 2010