مر عقد على اعتداءات 11 سبتمبر2001 الإرهابية التي غيرت أميركا ونظرتها لنفسها ولاستراتيجيتها ومقاربتها الإمبراطورية. عقد صبغ أميركا وجعلها تعيد النظر في حساباتها وعلاقتها وأولوياتها. برز خلاله لاعبون جدد وتهديدات وتحديات دفعت أميركا لتغيير عقيدتها واستراتيجيتها الأمنية. في خضم الأجواء الاحتفالية لأميركا بالذكرى العاشرة ومرور العقد الأول على تفجيرات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، تعيش أميركا حالة متناقضة تدفعها لمقايضة الحريات العامة والشخصية التي يقدسها الأميركيون أفراداً ونظاماً، مقابل الأمن، وحتى خرق الحقوق الدستورية لجعل أميركا أكثر أمناً، والتصدي وملاحقة وإجهاض خطط "القاعدة" والإرهابيين لمنع تكرار كارثة عمل إرهابي على أراضيها. منذ ذلك الوقت بات هناك علامة فارقة في العقلية الأميركية بين ما قبل وما بعد 11 سبتمبر 2001. أميركا كانت في عز عنفوانها وقوتها عندما ضربت قبل عقد من الزمن. تتربع على عرش النظام العالمي في عالم أحادي القطبية دون نظير أو منافس. فإذا بتنظيم من غير الدول يلحق بأميركا ضربة في الصميم. أدى لتغيير قواعد اللعبة وانخراط واشنطن في حملة حرب على الإرهاب فسرها البعض بالحرب على الإسلام. بدأ العقد المنصرم بتفجيرات 11 سبتمبر وانتهى بقتل بن لادن والمواجهة على خطوط الصدع بين أميركا والإسلام. شملت حرب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق واحتلالها لبلدين مسلمين فيهما 60 مليون مسلم، ما أحيا مشاعر المواجهة ببعديها العقائدي والديني. وسعى المتطرفون من الطرفين لجعل المواجهة تكتسب بعداً دينياً بين الغرب والإسلام تحت ذريعة محاربة الاستعمار ومواجهة فكر"المحافظين الجدد". وهنا أتفق مع ما ذهب إليه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة في مقاله بصحيفة "جلف نيوز" بالإنجليزية بعنوان "بعد عشرة أعوام...متحدون ضد الإرهاب"، مؤكداً بأننا "لسنا في حرب أديان أو ثقافات بل نحن متحدون في مسعى دولي لدعم مسعى إنساني وسياسي لهزيمة التطرف بكل أشكاله وتحت أي أيديولوجية". ودعا "إلى الحاجة استراتيجية ناجحة لمواجهة الإرهاب برؤية بديلة للمستقبل تدعم وتعزز ثقافة السلام والتسامح". المهدد الأول لأمن أميركا اليوم ليس دولة بل تنظيم هو "القاعدة" تصنفه بالإرهابي- وتتعقب أتباعه في باكستان وأفغانستان واليمن والصومال وتقتنصهم بطائرات بدون طيار. وآخرهم عطية عبد الرحمن الرجل الثاني لتنظيم "القاعدة" في باكستان."التقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية حول أنماط الإرهاب حول العالم يؤكد أن"القاعدة لا تزال تشكل التهديد الإرهابي الأكبر للولايات المتحدة الأميركية بسبب شبكات القاعدة في باكستان واليمن والصومال". وأنه بالرغم من زيادة عدد العمليات بنسبة 5 في المئة، لكن عدد قتلى العمليات الإرهابية تراجع للعام الثالث على التوالي بنسبة 12 في المئة. والملفت أن ثلاثة أرباع العمليات وثلاثة أرباع ضحايا تلك العمليات الإرهابية وقعت في منطقتي الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ولكن السؤال الذي يطرح في أميركا وخارجها: هل الولايات المتحدة والعالم أكثر أمناً بعد عقد على اعتداءات 11 سبتمبر 2001؟ صحيح أن أميركا نجحت خلال العقد الماضي في منع أي عملية إرهابية نوعية شبيهة بما حدث قبل عقد. ونجحت أميركا بتعاون دولي وتبادل المعلومات الأمنية وتجفيف منابع الإرهاب ومصادر تمويله كما يقول وزير المالية الأميركي، وكذلك محاربة الفقر ودعم التنمية والتنسيق الدولي. ولكن الصحيح أيضاً أن الطريق للتغلب على الإرهاب والمنظمات الإرهابية والمتطرفة لا تزال مهمة لم تنجز بعد عقد من تفجيرات 11 سبتمبر. عشية الذكرى العاشرة يحذر رئيس شرطة نيويورك والأجهزة الأمنية والإعلام الأميركي من قيام القاعدة بالرغم من إضعافها بعمل انتقامي يطال نيويورك وواشنطن العاصمة. في ذكرى 11سبتمبر التاسعة تم شيطنة الإسلام بسعي قس متطرف مغمور لحرق نسخة من القرآن الكريم في فلوريدا، وثار جدل كبير حول بناء مركز قرطبة الإسلامي قرب موقع تفجيرات 11 سبتمبر، وأمركة "القاعدة" بتجنيد أمريكيين ككوادر، وفشل محاولات "القاعدة" تفجير طائرة ركاب فوق ديترويت وسيارة في نيويورك. جديد ذكرى تفجيرات 11 سبتمبر هذا العام ترتكز على بعدين. الأول اغتيال زعيم تنظيم "القاعدة" في مايو الماضي في باكستان ودخول العلاقة في مرحلة تشكيك بين الحليفين الأميركي والباكستاني وتآكل الثقة بينهما. والبعد الثاني هو مرور عقد كامل على أكبر عمل إرهابي هز الكيان الجماعي للأميركيين قاطبة. وأصاب أميركا بجرح غائر ولأول مرة بدت أميركا جريحة وتداعت الدول للوقوف معها. وبالرغم من وجود بعض المدافعين عن نظرية المؤامرة وبأن أجهزة الاستخبارات وراء هذه العلمية الإرهابية النوعية للتحكم في القرار الأميركي وتقديم البعد الأمني على الحريات في الداخل وتبرير التدخلات والحروب الخارجية وخاصة ضد العرب والمسلمين، مدللين على ذلك بحروب أميركا الثلاثة في أفغانستان والعراق وعلى الإرهاب، فإن هذه الادعاءات لا تسندها الأدلة والواقع، خاصة أن "القاعدة" اعترفت بـ"غزوة مانهاتن" وتحملت مسؤولية القيام بالعملية أكثر من مرة. وحسب الأمير تركي الفيصل مدير المخابرات السعودية السابق، فإن المخابرات السعودية نبهت الأميركيين لإمكانية قيام "القاعدة" بعمل إرهابي. إذن حصاد عقد على 11 سبتمبر 2001 هو خليط بين انتصار مكلف لأميركا نجحت خلاله بمنع عمل إرهابي على أراضيها وضد انتشارها الإمبراطوري، وفككت وأنهكت "القاعدة" واغتالت بن لادن وقياديها وجففت مصادر تمويلها. ولكن بكلفة باهظة على أمنها وعلى حرياتها وصلت لتلطيخ سمعتها في غوانتانامو و"أبوغريب" وباغرام كحامية للحريات. وهناك الكلفة البشرية بمقتل أكثر من 6200 جندي في العراق وأفغانستان وأكثر من 30 ألف جريح فيما لم يتجاوز عدد قتلى تفجيرات 11 سبتمبر 3000. ناهيك عن الكلفة والإنهاك والاستنزاف المالي بما يتجاوز 3 تريليونات دولار لحروب أميركا. حصاد لا شك مكلف لأميركا المتراجعة اقتصادياً والمنسحبة عسكرياً وتدريجياً من المنطقة. ونعود لنذكر بأن مواجهة الإرهاب عمل يتطلب أيضاً تعديل أميركا لسياستها في المنطقة لتسحب البساط من قوى التطرف. على واشنطن أن لا تغفل أن السبب الأساسي والأرضية لاستهدافها يعود لسياساتها ومواقفها وحروبها واحتلالها لأراض عربية وإسلامية ودعمها المستفز للاحتلال الإسرائيلي. وسنرى الدليل في الرفض الأميركي في مجلس الأمن ومنع قيام الدولة الفلسطينية، التي هي رؤية ومطلب أوباما! من المفيد أن يطلع صانع القرار في أميركا وإسرائيل وغيرهما على الدراسة العلمية للباحث الأميركي "روبرت بايب" الذي أكد أن السبب الرئيسي للعمليات الانتحارية هو الاحتلال العسكري. وأن نسب تلك العمليات تتراجع بشكل حاد بل تختفي بعد الانسحاب العسكري كما حدث في جنوب لبنان وغزة والعراق.