لا يزال الإرهاب يعيث فساداً كبيراً، يقتل ويسفك الدماء وينشر الذعر والخوف والخراب. الجهود الأمنية الكبيرة حققت نتائج ونجاحات عظيمة في مكافحة التنظيمات الإرهابية واستطاعت القضاء على الكثير من الإرهابيين وتمكنت من القبض على الآلاف منهم وساقتهم إلى القضاء العادل، كما أجهضت العديد من المخططات الإجرامية وحمت مجتمعاتنا من أخطارها. لكن المعركة مع الإرهاب معركة طويلة ومستمرة ولن تستطيع الجهود الأمنية وحدها القضاء على الوباء الإرهابي، بل يجب أن يصاحب تلك الجهود المقدرة، جهد فكري كبير يرتكز على تنشيط وتفعيل طاقات المجتمع الثقافية والدينية والإعلامية لتعزيز مناعته وتقوية حصانته تجاه أفكار التطرف ووباء الإرهاب. عاد الإرهاب أكثر خطورة ووحشية وغدراً، يستهدف المفاصل الرخوة في المجتمعات ومواطن الضعف فيها كالمساجد والكنائس والمزارات والأضرحة ومجالس العزاء والمطاعم والمجمعات حيث يتجمع الناس، لإحداث دوي إعلامي أكبر وإثارة ذعر أعظم. أصبح الإرهاب لا يرعى حرمة للشهر الفضيل ولا قدسية لدور العبادة ولا يبالي بمشاعر المحزونين في مجالس العزاء. ففي هذا الشهر الفضيل الذي تُصفَّد فيه الشياطين، انطلقت شياطينهم لتفسد وتنتهك حرمة الشهر المبارك، إذ تسلل شيطان انتحاري يلبس حزاماً ناسفاً إلى مجلس عزاء بمدينة جعار، جنوب اليمن، فقتل 45 شخصاً و أصاب 40 آخرين، فأصبح العزاء الواحد أربعين عزاء. وفي العراق قام شيطان آخر باستهداف مجلس عزاء شيعي، وسط بعقوبة، فقتل 20 وأصاب 40 آخرين، لا حرمة لشيء ولا قدسية لشيء، حتى المساجد بيوت الله، ليست بمنأى عن شرورهم وفجورهم، فقد قام انتحاري بتفجير سيارة مفخخة في المصلين أثناء خروجهم من جامع بالموصل، وما أكثر الضحايا من المصلين الآمنين ضحايا الإرهاب في مساجد باكستان وأفغانستان، وحتى القبور لم تسلم من عدوانهم، إذ نقلت وكالات الأنباء أن جماعة "أنصار الدين" في شمال مالي قامت بغارة على الأضرحة المدرجة في لائحة التراث العالمي بمدينة تمبكتو وكسروا باب أكبر جوامع تمبكتو بفؤوسهم، وهو جامع يعود إلى القرن 15، ما دفع منظمة التعاون الإسلامي للتنديد بعملهم وقام الأمين العام للأمم المتحدة بالتحذير من أن دولة مالي بدأت تتحول إلى ملاذ آمن للجماعة الإرهابية والإجرامية. الإرهابيون انتهكوا كل المحرمات وتعدوا على كل الثوابت الدينية والأخلاقية والإنسانية في سبيل تحقيق أهدافهم الإجرامية. من يفجر نفسه لا عزيز يخشى عليه أو منه، وكل ما فوق التراب تراب، لذلك لا نستغرب فعلتهم الغادرة مؤخراً، حين باغتوا الحراس المصريين الصائمين على حدود رفح وهم يفطرون ونزلوا فيهم ذبحاً واستولوا على مدرعة واقتحموا بها الحدود مع إسرائيل فدمرتها القوات الإسرائيلية، وسقط في هذه المجزرة 16 من الضباط والجنود المصريين، ذهبوا شهداء الواجب الوطني واهتزت مصر وتزلزلت تطلب الثأر ورد الاعتبار والكرامة ومحاسبة المسؤولين، وهي محقة، فهذا العمل الإجرامي الغادر ما كان له لينجح لو كانت هناك يقظة وحزم وجدية وإحساس بالمسؤولية وبخاصة بعد علم المسؤولين بالتحذيرات المعلنة من إسرائيل عن عملية إرهابية وشيكة في سيناء، لم يأخذوها على محمل الجد، ظناً أن إسرائيل تُهوِّل بهدف ضرب السياحة في سيناء لحساب السياحة في إيلات، واستبعاداً لأن يقوم مسلمون مصريون بقتل مسلمين مصريين في هذا الشهر الفضيل، كما أن الإسرائيليين أوغاد وهم يكذبون كما يقول الكاتب المصري علي سالم، فهؤلاء لم يتصوروا مثل هذا العمل الغادر من مسلم! يذكرني هذا بمنطق هؤلاء الذين استبعدوا أن تكون "القاعدة" وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر وقالوا إنها من فعل "الموساد" أو الاستخبارات الأميركية! وقد سمعنا مؤخراً "أبومرزوق" يتهم إسرائيل بأنها وراء العملية، وحجته "أنه لا يعقل لأي مجموعة جهادية أو سلفية مهما بلغت بها الجرأة، أن تقتل هذا العدد من المسلمين الصائمين بهذا الشكل، مهما كانت الدوافع، إلا إذا كان هذا الاختراق إسرائيلياً". أبوموسى ليس وحده العاجز عن التصور بل أيضاً "هنية" بحجة أن إسرائيل تريد خلط الأوراق في سيناء وتخريب الجهود المشتركة لإنهاء الحصار! بل إن جماعة "الإخوان" في مصر رجحت تورط "الموساد" في هذا العمل! إن منطق الأمور يقضي بأنه لا مصلحة لإسرائيل في توتير الحدود مع مصر بل من مصلحتها أن تكون مصر قادرة على حفظ الأمن والاستقرار في سيناء حفاظاً على اتفاقية السلام معها، كيف تكون إسرائيل وراء الهجوم الإرهابي الغادر وهي التي قدمت لمصر معلومات مسبقة عن هذا الهجوم وهي التي دعت مصر لزيادة قواتها العسكرية العاملة في سيناء لمواجهة خطر الجماعات المسلحة هناك؟! دعونا نناقش منطق أبي مرزوق ومن معه، بأنه لا يعقل أن يفعلها مسلم! نعم لا يفعلها مسلم، صحيح الإسلام، لكن الإرهابيين خارجون عن كافة الثوابت الإسلامية، ألم يقتل سلفهم من الخوارج القدامى الإمام علي كرّم الله وجهه غدراً على باب المسجد؟! ألم يعيثوا فساداً كبيراً في الأرض ويسفكوا الدماء البريئة؟! جنون الإرهاب فاق كل التصورات وتفننت العقلية الإرهابية في ابتكار أساليب للفتك لا تخطر على بال إبليس! لنتذكر ما فعلوه في "تلعفر" بالعراق قبل عدة سنوات، قتلوا طفلاً ووضعوا لغماً في جثته وانتظروا وصول أهله لتسلم جثته ثم فجروها ليقتلوهم جميعاً، وكان أحدهم يدخل مطعماً شعبياً غاصاً بالعمال العراقيين الكادحين فيفجرهم، وآخر يتظاهر بأنه يبحث عن عمال حتى إذا تجمعوا حول شاحنته فجرها لتتطاير أجسادهم أشلاء... فكيف لا يفعلها مسلم؟! تساءلنا كثيراً: لماذا يستمر الإرهاب وينتعش رغم الجهود المبذولة لمواجهته؟ ببساطة: لأن التشخيص خاطئ، لأننا لا زلنا نتهم إسرائيل والخارج ونقول إن الإرهابيين مجرد شباب مغرر بهم من قبل "الموساد" والقوى الدولية وهذا يمد في عمر الإرهاب ويضمن استمراره، وأن نقطة البداية الصحيحة للمعالجة: الاعتراف بأن الإرهاب نبت ببيئتنا ومجتمعاتنا، له بناء فكري معروف ومفاهيم دينية واضحة لكنها مغلوطة، والإرهابيون أبناء بررة لخطاب ثقافي مشحون بكراهية عميقة للقيم المعاصرة.