تناولنا في هذه الصفحة الأسبوع الماضي المسألة الدينية في الفكر الفلسفي الراهن من خلال بعدي المقدس والإيمان، مؤجلين الحديث حول المحدد الثالث من محددات التجربة الدينية الذي هو مجال العيش المشترك. يتعلق الأمر هنا بالمسالة الأخلاقية – السياسية التي يسود انطباع واسع أنها قد خرجت في عصور الحداثة عن مقتضيات الدين. صحيح أن الحداثة قامت على معيار الوعي بالذات، وان التنوير كما عرفه "كانط" هو المرور من حالة القصور والتبعية للسلط الدينية والمعرفية إلى وضعية الرشد بالاستخدام الحر الشجاع للعقل من خلال رهانين متمايزين هما: الاستخدام الذاتي في التأمل الفلسفي حول القضايا الكونية والميتافيزيقية، والاستخدام العمومي في القضايا السياسية والمجتمعية. بيد أن كانط هو نفسه هو الذي أكد على المنزلة الضرورية للدين في المنظور المعياري القيمي، حتى لو كان بنى الأخلاق حول أوامر الواجب الضرورية الكلية المستندة للعقل. يتجلى دور الدين في مستويات ثلاثة متمايزة هي: - تحرير الإرادة من سجنها المقيد بصفتها إرادة تختار الخير وتقبل عليه في مقابل تشاؤم العقل وبرودته المجردة(موضوع كتاب الدين في حدود مجرد العقل). - الإيمان بالله مسلمة ضرورية من مسلمات العقل العملي إلى جانب الحرية وخلود النفس. فالإيمان بالله ليس هنا موضوعا معرفياً، بل فكرة ناظمة تضمن التأليف بين الفضيلة والسعادة في العالم الآخر (موضوع كتاب نقد العمل العملي). -يحقق القانون في الدولة المدنية الجوهر الأخلاقي في الدين بتحويله من القاموس اللاهوتي إلى المضامين القيمية الأخلاقية (موضوع كتاب ميتافيزيقا الأخلاق). ومع أن الفكر الفلسفي المعاصر تجاوز عقلانية كانط المجردة القائمة على الإرادة الخالصة، إلا أنه اصطدم بالمرجعية الدينية في الاتجاهين الأساسيين في فلسفة الأخلاق: الاتجاه الإجرائي الذي يؤسس المعايير الأخلاقية على القانون الكلي القابل للتعميم، والاتجاه المجموعاتي الذي يعيد الاعتبار للتصورات الجوهرية للخير الجماعي المستندة لتقليد ثقافي أو عقدي قائم. فهذا الفيلسوف الألماني "هابرماس" أهم ممثلي الاتجاه الإجرائي يدافع في أعماله الأخيرة عن عودة الدين للمجال العمومي منبعاً محورياً للقيم الجماعية في مقابل النزعات الطبيعية الجديدة التي قوضت المسألة المعيارية في أسسها المرجعية. وذا الفيلسوف الكندي "تشارلز تايلور" يبين العلاقة العضوية بين الهوية والغاية نحو الخير الأخلاقي، بحيث يكون الدين بصفته التصور العقدي والقيمي الجامع دعامة قوية للجسم الاجتماعي المتعاضد. ويخلص "تايلور" في كتابه الأخير "العصر العلماني" إلى أن انحسار مظاهر التدين التقليدية في الغرب لا يعني انهيار الدين ذاته، بل يدل فقط على تبدل الشروط الجديدة للاعتقاد والممارسة الدينية. في الاتجاهين معاً، يبرز تعقد المسألة المعيارية في الفكر الفلسفي المعاصر، بحيث لم يعد من الممكن الاكتفاء بالقانون العقلي مرجعية للأخلاق ولا بالتأسيس الذرائعي النفعي للقيم أو بالأخلاقيات الاجتماعية البديلة (كالأخلاق الوضعية أو الأيديولوجيات التاريخانية ...). ويتعين التمييز في المسألة المعيارية بين مستويات ثلاثة هي:"الإتيقا" بصفتها مجال القيم الجماعية المستمدة من تقليد ثقافي معين وهي مدار التصورات الجوهرية للخير الجماعي (تصدر في الغالب عن مرجعية دينية مباشرة أو غير مباشرة)، والأخلاق من حيث هي دائرة الأحكام والقوانين الكلية والعامة الضابطة للعلاقة بين الأفراد (الفضيلة بالمفهوم الكانطي)، وأخلاقيات الحكمة العملية (باصطلاح ريكور) أو الاهتمام بالذات (باصطلاحات فوكو) التي تعني جمالية السلوك الفردي الذاتي والقدرة على إبداع البدائل المتجددة التي تقتضيها الظروف الاجتماعية المتغيرة. ومع الإقرار بانفصال الدائرة السياسية عن المجال القيمي الفردي في العصور الحديثة، إلا أن استبدال نظريات العدالة بمدونة القانون الطبيعي (كما تعبر عنها معايير حقوق الإنسان ونظريات التعاقد الاجتماعي) يعني عمليا التشبث بالأفق الأخلاقي إطاراً ناظماً للمجتمعات العلمانية الحديثة على الرغم من انبنائها على قاعدة التعددية المعيارية في المجال العمومي. لقد بين "جاك دريدا" أن كل تصورات "الحق الطبيعي" تقوم على خلفية لاهوتية مستترة، باعتبار أن مفهوم العدالة لا يمكن اختزاله في الأبعاد الإجرائية القانونية، بل هو من المفاهيم الحدية "المستحيلة" التي تحتاج للقبول الإيماني لا الاقتناع العقلي في دائرة النقاش العمومي الحر. ومن هنا الوعي السائد على نطاق واسع في الكتابات الفلسفية الراهنة بضرورة التشبث وجودياً وقيمياً بالأبعاد الروحانية التي لا غنى عنها في تسيير العيش المشترك، حتى ولو كانت هذه الروحانيات الجديدة لا تعني ضرورة الاحتفاظ بالروحانيات الدينية التقليدية. نشير في هذا الباب إلى اتجاهات ثلاثة: -اتجاه استلهم تركة التقليد الديني الموروث مع القطيعة مع خلفياته الميتافيزيقية ومدونته المعيارية، باحثاً في الدين عن تجربة مغايرة للإيمان والمعنى (من نماذج هذا الاتجاه لاهوت الضعف في عصر ما بعد الميتافيزيقا لدى الفيلسوف الإيطالي جاني فاتيمو).الديانات التقليدية لدى أصحاب هذا الاتجاه لا تزال تشكل المعين الأساس للروحانية بعد التحرر من قبضتها المؤسسية ومن بنيتها العقدية الأصلية. - اتجاه تبنى فكرة "التعددية الدينية" بالتمييز بين الجذع المشترك للروحانيات في ما وراء تنوع تجارب التدين التي لها سياقاتها التاريخية – الاجتماعية الظرفية. وقد درس عالم الاجتماع الفرنسي "فردريك لنوار" هذه الظاهرة مبينا أن مستوى التدين لم يضعف في المجتمعات الحديثة، وإنما تأقلمت تجربة التدين مع معطيات التعددية الدينية، التي هي من تجليات التعددية الفكرية القائمة في المجتمعات الليبرالية المعلمنة. - اتجاه اعتبر أن الروحانيات المعاصرة لا يمكن أن تتأسس على خلفيات دينية، بل هي روحانيات ذاتية نابعة من الأفق الإنساني، حتى ولو كانت ترمي إلى الهدف ذاته أي غائية الخلاص وتقديم ضمانات المعنى والأمل وجوديا وقيميا(يمثل الفيلسوف الفرنسي ليك فري هذا الاتجاه المنتشر حالياً). ليس من الصحيح إذن أن الدين انحسر من مجال العيش ا