مجرم قبض عليه في سرقة أكثر من 100 مليون درهم من المال العام وحكم عليه بالسجن، ووصف مجرم ثبت للمحكمة بالأدلة والشهود، لكن منظمات "حقوق الإنسان" كان لها رأي آخر، فهذا أميركي الجنسية ومسجون في الإمارات، فهو لا يلقى معاملة جيدة، وهو بريء ومريض، ولابد من إطلاق سراحه فوراً، كما يتعين أن يتدخل الرئيس الأميركي وقادة العالم لفك أسره! حملة منظمة أطلقتها هذه المنظمات، وكثّفتها خلال الشهرين الماضيين، ليس في إعلام الولايات المتحدة فقط، ولكن في مختلف وسائل الإعلام الغربية عموماً. كل يومين تقرأ خبراً عن الظلم والمعاناة التي يلقاها هذا السجين، وحالته المرضية السيئة، وعن دخوله في إضراب عن الطعام! من يقرأ تلك التقارير يقول إن هذا لا يحدث في الإمارات، وأن السجين سيموت في أية لحظة. طبعاً الدولة تحملت كل هذه الضغوطات التي مارستها عليها جهات عديدة، وذلك لقناعتها بفداحة الجرم المرتكب ولثقتها في عدالة الحكم وسير التقاضي. لم ترضخ لهذه المطالبة، والأمر الوحيد الذي سمحت به، أنها قبلت الإفراج عنه بكفالة مالية ضخمة ووجود ضامن له. والذي حدث بعد ذلك أن اللص تخفى وهرب إلى اليمن. وهناك قبض عليه وعملوا له الفحوصات الطبية قبل أن يودعوه السجن واكتشفوا أنه قوي معافى لا يعاني من أية مشكلات صحية. سبب هروبه وتسلله إلى دولة أخرى، وهو التصرف الذي لا يبدر سوى من عصابة إجرامية، برره محاميه بأن موكله تعرض لهجوم مفاجئ، حيث اقتحم عليه أشخاص لا تُعرف هوياتهم مقر إقامته بأحد الفنادق وقاموا بضربه في غرفته المغلقة وتهديده، ففر هارباً منهم! فجأةً صمت الإعلام العالمي عن هذه القضية ومتابعتها ولو أخلاقياً من باب الأمانة المهنية والمتابعة الصحفية، وسكتت منظمات حقوق الإنسان، طبعاً لا تعنيها الآن حقوق آلاف المستثمرين الذين سرق هذا الشخص أموالهم. هذه ليست سوى قضية واحدة من عشرات القضايا المشبوهة التي أثارتها منظمة حقوق الإنسان ضد الإمارات. قبل سنوات كانت قضايا الخدم، وحقوق العمال، وصاحبة مأوى النساء الهاربات، ومساجين في قضايا شذوذ أو فساد، وغيرها. ودائماً ما كانت تبحث عن إثارة دولية للقضية التي تطرحها وعن "شماعات". فمثلاً في معاملة العمال اختارت مرة أن يكون مدخلها حقوق العمال في مشروع السعديات لعلم هذه المنظمة، وهي التي تتحرك في الخفاء من خلال مكاتب علاقات عامة وشركاء وجهات عندها أجندات، أن التهويل الإعلامي والضغط من خلال مشروع ثقافي دولي سيلفت الانتباه وسيثير البلبلة وسيشوه حجم الإنجاز وصورة الإمارات. رغم أن العمال في هذا المشروع لا يحظون بحقوقهم فقط، بل يزيدون عليها بمزايا يصعب أن يجدها العامل في أي بلد آخر، مثل برامج تنمية المهارات، ودورات تحسين المستوى التعليمي، وأنشطة الترفيه والتسلية. لكن عيون هؤلاء مغمضة عن أية مكاسب قد تتحقق لهذا العامل، وعن الإنجازات التي حققتها الدولة في مجال الأنظمة والتشريعات وتطبيق المعايير والالتزامات الدولية في هذا المجال. واليوم، تعيد هذه المنظمة و(شركاؤها)، المحاولة من خلال قضية سارق المال العام، أو إثارة قضية المقبوض عليهم بتنظيمات خارجية ووجود مخططات تمس أمن الدولة، مدعية أن الإمارات لا تلتزم بالمواثيق والأنظمة الدولية فيما يخص حقوق الإنسان، وأنها تضيق على الصحافة ولا تسمح بحرية التعبير، وتعمل على تكميم الأفواه وتمنع التعددية الفكرية... وغير ذلك من مفردات الديباجة المعهودة التي تكررها في مختلف تقاريرها ومناشداتها. ماذا تريد هذه المنظمات من خلال إثارة الجدل والتهويل حول قضايا معينة؟ وهل هي فعلاً مهتمة بقضايا حقوق الإنسان وتحاول الانتصار للمظلوم؟ وهل تعنيها جميع الحقوق، ولجميع الناس، أم أنها فئوية في اختياراتها، وانتقائية في اهتماماتها؟ وما الذي يجعلها تتناول قضايا متقاربة في الجوهر وفق معايير متباينة؟ ولماذا تصمت وتغض البصر عن دول وجهات يعلم العالم كله خرقها لحقوق الإنسان؟ وهل الفريق (المتطوع) للعمل معها يملك النزاهة والحيادية؟ وهل هو محل ثقة عند الناس، أمين في شهاداته ودقيق في متابعاته وتقاريره؟ ولماذا غالباً ما تكون مصادرها الصحافة الصفراء، سواء في الإعلام التقليدي أو الإلكتروني، وهل لهذه الوسائل صدقية يعتد بها في العمل التوثيقي؟ وأين معيار الدقة والمنهجية العلمية في تقارير المنظمة ورسائلها الإعلامية التي تحاول بثّها في حالات تبنيها لقضية ما؟ وما هي مصادر تمويلها، ولماذا هي غير معلنة وتحرص هذه المنظمات على إخفائها؟ ولماذا تعتمد في معلوماتها فقط على جهات مشبوهة وشخصيات غير موثوق في رأيها، بحكم انحيازها وارتباطها بمصالح ذات صلة بالقضية المثارة؟ وجود منظمات حقوق الإنسان الأهلية هو مطلب مهم، فهي تراقب وتقيم وتساند العمل المجتمعي، وتساهم في حماية الحقوق ووضع الأنظمة وتفعيلها، وفي تطوير المجتمعات. لكن أن تستغل هذه المنظمات من قبل أفراد أو أحزاب، وتدخل في اللعبة السياسية مصالح جماعات الضغط وتستخدم لإضفاء الشرعية أو لخلق التعاطف فيما يسمى بالحرب الإعلامية والتي قد تكون على مستوى تناطح دول أو حتى بين فئات وأحزاب وتيارات معينة في دولة أو منطقة ما، وهي لعبة في غاية الدهاء تديرها في الخفاء شركات متخصصة تحت مسمى العلاقات العامة الاستشارية. هنا تسقط هذه المنظمات وتفقد مصداقيتها، وتكون مجرد وسيلة لتحقيق غاية ما. كيف للإمارات وغيرها من الدول أن تحقق التوازن في تطوير بلدانها وتنمية إنسانها، تنفذ خططها وبرامجها وسياساتها من دون أن تتعرض لضغوط مستمرة من جهات مشبوهة، وفي الوقت نفسه تتأكد من الالتزام بالشروط التي وضعتها لحفظ حقوق العمال، أو تنفيذ بنود القانون وتطبيق العدالة. قد تكون أفضل وسيلة هي اختيار طرف ثالث محايد وقد يكون مؤسسات المجتمع الأهلي أو هيئات أكاديمية دولية أو شخصيات مجتمعية مشهود لها ومحل ثقة من الجميع، لمراقبة وتقييم مدى الالتزام بالأنظمة والحقوق. الطرف الثالث المراقب، واختيار شخصيات وهيئات ومنظمات محايدة ونزيهة، قد يكون خياراً جيداً لتنمية المجتمعات وبناء الأوطان بعيداً عن "إرهاب" مثل هذه المنظمات.