المؤسسات الدينية... الحاضر والمستقبل
عاد موقف رجال الدين والمؤسسات الدينية إلى النقاش والاستحسان أو الاستهجان في المجال العام، بعد أن تدخَّل الشيخ السعودي «العريفي» مادحاً مصر في كلِّ عهودها وحالاتها. وتدخَّل الشيخ السوري «البوطي» من الجامع الأُموي معتبراً الأسد وعسكره من صحابة رسول الله لو كانوا في زمنه، بسبب المهمة الجليلة التي يقومون بها، والمتمثلة في الحفاظ على سوريا وأمنها! في حين ذهب مفتي ليبيا الجديد إلى حدود بعيدة في التحذير من الجهود التي تبذلها إيران في نشر التشيع بين أهل السنة. وقبل ثلاثة أسابيع تحدث الشيخ السلفي المصري «برهامي» عن تجربة كتابة الدستور، وكيف خذلهم شيخ الأزهر فيها. ومن أجل إدخال مزيد من المواد الإسلامية إلى الدستور، اضطُرّوا -كما قال- إلى «رشوة» شيخ الأزهر باشتراع منع عزله من منصبه لكي يوافق على تبني المواد الجديدة، لأنه ما كان مهتماً بغير الدفاع عن حقوق الأقباط والعلمانيين! وفي السياق ذاته- أي اعتبار أنفسهم مسؤولين عن الإسلام في هذا الزمان- يمكن وضْع خُطَب ومؤتمرات القرضاوي، بالدعوة للثورة على الحكومات القائمة باسم الإسلام، والذهاب إلى مصر لنُصرة «الإخوان المسلمين» في مساعيهم للانفراد بالسلطة هناك.
لقد ذكرتُ هذه الأمثلة المتناثرة والمتنافرة، للإشارة إلى أن المؤسسات الدينية السنية شبه الرسمية -باستثناء الأزهر- ما أَظهرت تماسُكاً خلال أحداث التغيير، ولا كان لها رأي يمكن اعتبارُه بعد التغيير.
ما سببُ هذه الهشاشة في الشخصيات، وفي المؤسَّسات الدينية، قبل الثورات وبعدها؟ في الزمن الإصلاحي (منذ منتصف القرن التاسع عشر وإلى أواسط العشرين)، ذهب كثيرون إلى أنه ليس في الإسلام رجال دين، ولا مؤسسة دينية. وقد كانت علة ذلك أمرين اثنين: أن الإصلاحيين ما قبلوا التشبه بالكهنوت الكاثوليكي الذي كان الجميع ساخطين عليه. وبالفعل فإن العلماء أو الفقهاء المسلمين ليسوا طبقةً مغلقةً، ولا يملكون سلطة مقدسة بداعي المنصب أو الدعوة. والسبب الثاني أن الفقهاء والقُضاة من سائر المذاهب، أظهروا جموداً وإعراضاً تاماً عن التغيير، واعتبروا التقليد جزءاً من الدين. وزاد من توترهم إزاء دعوات التجديد، أن الحداثة الاستعمارية وغير الاستعمارية هجمت عليهم، من حيث الصلاحيات والقوانين في المحاكم، ومن حيث البرامج الحديثة في المؤسسات التعليمية الإسلامية، ومن حيث طغيان جهاز الدولة على مردودهم من الأوقاف. ولشَدَّ ما شكا الشيعة من تقليدية النجف. وعندما دخل العلماء أخيراً في الاجتهاد والإصلاح حققوا إنجازات لا بأس بها في مجالات تجديد البرامج وتطوير التعليم، والفتاوى والدراسات الفقهية. لكن الأمور تعقدت في وجوههم من جديد بعد خمسينيات القرن العشرين. فقد سادت في العالم العربي حكومات الضباط التقدميين والتحديثيين. وكان هؤلاء يعتبرون المؤسسات الدينية حصوناً للمحافظة ضد التغيير. وجاء على يسارهم الإحيائيون الإسلاميون الجدد، الذين اعتبروا أن رجالات المؤسسة الدينية غارقون في التقليد وفي دعم السلطات القائمة، رغم أن ذلك ما كان صحيحاً وقتها. وعندما نشب الصراع بين أنظمة الضباط والإسلاميين الصاعدين، حاول المشايخ البقاء على الحياد فلم يستطيعوا لأنهم موظفون في الدولة، ولذا فقد ذهب بعضهم لدعم السلطات بالدعوة للاعتدال وللاستقرار. بينما ذهب بعضهم الآخر للوقوف معها مباشرة. وذهب فريق ثالث إلى حيادية مطلقة ورضوا بالتهميش، خشية أن يخطئوا بحق الدين أو الدولة. إنما في ذلك الوقت، أي في الستينيات والسبعينيات، كان الإسلاميون المتسيسون قد اخترقوا تلك المؤسسات طلاباً أولاً ثم أساتذةً ثانياً. كما أنه في ذلك الوقت أيضاً، خففتْ حكومات الضباط قبضتها قليلا على المؤسسة لتستعين بها على الإسلاميين الصاعدين، فوضعتُ نموذجاً لتلك العلائق بين الدولة والمؤسسات الدينية، ذا ثلاث شُعَب: شعبة تقوية المؤسسات الدينية من جانب الدولة مع استتباعها. وشعبة إضعاف المؤسسات وتجاهُلها. وشعبة الحيادية تجاه تلك المؤسسات. وقد لاحظت أن الأصوليات العنيفة صعدت أولاً في دول إضعاف المؤسسة. ثم في دول الاستتباع، وأخيراً في دول الحياد إزاء المؤسسة. ويكون علينا الانتباه إلى أنه في كل الحالات فإن المؤسسات الدينية ضعُفت وتشرذمت أحياناً، ليس بسبب سياسات الحكومات فقط؛ بل ولأنّ كثيرين سقط لديهم وعْيُ المهمة والرسالة، بعد أن رأوا طلابهم وزملاءهم أو كثيرين منهم يهجرونهم باتجاه الإحيائيات والإخوانيات والسلفيات، ولأن شيوخ ومفتيي الفضائيات نافسوا شيوخ المؤسسة وصرفوا الشباب عنها.
في ظل هذا الوضع جاءت حركات التغيير العربية. وباستثناء الأزهر، الذي أَظهر قدرةً نسبيةً على البقاء فوق الأحداث، ودعم قضايا التضامن داخل مصر؛ فإن المؤسسات الأخرى وقفت مع النظام القائم؛ بينما خرج الأفرادُ الحزبيون من داخل المؤسسة كلٌ إلى حزبه. لذلك فقد بدت الصورة في المؤسسة وتجاهها قاتمةً. وقد ذكرنا بعض المواقف لإظهار مدى التشرذُم والمُضي في الاتجاهات المتناقضة.
يشكل الإسلام السياسي الصاعد أخطاراً على التماسك الديني في مجتمعاتنا من عدة نواح: الأولى الحكم باسم الدين زعماً بأن الإسلام يملك نظاماً للحكم بمقتضى الاعتقاد والتنظيم. والثانية أنه يتطلب استقلالاً بالمرجعية الدينية العليا لكي يستطيع ممارسة السلطة باسم الدين. والناحية الثالثة أنه متّجهٌ للاستيلاء على المرجعيات والمؤسسات الدينية لاستغلال وظائفها في الفتوى والتعليم بحسب توجهه المذهبي.
ولذا فإنه من المصلحة العامة للمسلمين أن تبقى المؤسسات الدينية، وتقوى وتتحرر من أي سطوة، لكي تكون بمثابة المرجعية، ولتظلَّ قائمةً على المهام الضرورية للوحدة الاجتماعية والدينية. فلدى المؤسسة الدينية الإسلامية أربع مهام: قيادة العبادات، والتعليم الديني، والفتوى، والإرشاد العام. وهذه المهام جميعاً حيوية للدين والأمة. فبالنسبة للعبادات، ما عاد الحزبيون أو بعضهم يصلون في المساجد الجامعة في الجماعات والجمعات. ونحن نرى أن نظلَّ على ما كنّا عليه في الصلاة والصوم والزكاة والحج والتواصل ورعاية الأرحام في مجتمعات الود والثقة. ولا يزال معظم التعليم الديني بأيدي رجالات المؤسَّسة، لكن الفِرَق المختلفة بدأت تملك مدارسها وجامعاتها الخاصة. والذي نريده أن يبقى تعليم أطفالنا وكبارنا بأيد غير حزبية. وكما شاركت الأُصوليات المؤسسةَ الدينيةَ في التعليم، بدأت تشاركها في الفتوى، وهذا أمر من أخطر ما يكون. فلا شك أن فتاوى الفِرَق تدفع للمزيد من التفرقة، وأنه ستكون، أو كانت بالفعل، من بين آرائهم الاعتقادية القول بالدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، وتكفير من لا يخضعون لفتاوى الولاء والبراء هذه. فلابد أن تبقى الفتوى بأيد أمينة يتوافر لها العلم والرشاد والاعتدال. والإرشاد العام أو الدعوة الدينية، مهمة بالغة الأهمية، وما استطاعت المؤسسات الدينية الانفراد بها رغم السيطرة على إدارة المساجد. وقد صارت الفضائيات لاعباً مهماً في مجال الدعوة والإرشاد.
لا غنى عن المؤسسة الدينية في زماننا الراهن. وضعفها من كل وجه هو أحد أسباب ضَعفنا. وحاجتُنا إليها الآن أكبر حتى لا تستولي جماعات الإسلام السياسي على المرجعية وعلى الفتوى والتعليم. إنما لابد أن تُبنى من جديد بالحرية وبالكفاءة، لكي تحظى بثقة الناس ودعمهم. فعلى الكفاءة والثقة قامت هذه المؤسسة العريقة في تجربتنا التاريخية الطويلة.