ما يجري في مالي هو سيناريو متكرر مع اختلاف القارة والتضاريس والقوميات واستمرار لمسلسل الاستباقية. وستجتمع الأمم المتحدة، وترسل قوات حفظ السلام ومفوضاً لإدارة التفاوض بين الأطراف المتصارعة. وستجتمع دول غرب القارة وترسل قواتها ببطء وحذر شديدين وانسحاب من المقاتلين الإسلاميين المتطرفين، وتحالف الجماعات الإسلامية (أنصار الدين، الجهاد والتوحيد، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) من المدن إلى الصحراء والجبال المختلفة، وستسيطر القوات الفرنسية والقوات النظامية المحلية المدعومة وتسلم المعاقل للقوات الأفريقية المشتركة، في حين ستتربص قوات المتطرفين للانقضاض في الوقت المناسب لشن حرب عصابات سترهق وتستنزف القوى النظامية، وقبل ذلك ستمارس العمليات الانتحارية وعمليات نشر الألغام. لذا أرى أهمية دعم الجهود الدولية الأممية، وليس الجهود المنفردة أو الإقليمية الضيقة لمنع إقامة دولة إرهابية في مالي. فتأثيرها حتماً سيلقي بظلاله على العالم العربي. الغريب أن فرنسا هي نفسها من رفضت المشاركة المباشرة في غزو العراق عام 2003، كجزء من منظومة الحرب العالمية على الإرهاب، وكانت الآراء في فرنسا في الغالب تقول إنها كانت حرباً من أجل تأمين الطاقة والثروات النفطية وفتح أسواق جديدة للشركات الأميركية العملاقة. وتريد أن تقنعنا فرنسا اليوم أن التدخل الحالي في مالي هو أمر مختلف ودفاعاً عن الإنسانية ومبادئ الحرية واحترام القانون، وليس له أي علاقة باكتشافات نفطية جديدة ولا بمناجم الذهب ومصالح الشركات الفرنسية واليورانيوم. وكون فرنسا تملك 59 مفاعلاً نووياً، أكثر من أي بلد آخر في العالم توفر من خلاله ما يقرب من 80 في المئة، من طاقتها الكهربائية. فلربما هي صدفة تعارضية وأن الحملة ليست جزءاً من المحافظة على مصالح فرنسا القومية وتأمين أمن الإمدادات والمواد الخام والمبادرة بضربة احترازية في دوامة صراع إيراني- إسرائيلي، هندي- صيني ، روسي - أميركي - أوروبي، ودويلات منظمات الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، والإسلام السياسي في أفريقيا لأسباب مختلفة. البعض يرى في مالي ممراً للغرب الأفريقي وحقول النفط، والصراع السري العلني بين الدول العظمى وبوابة تنتقل منها التجارة المحرمة إلى جاراتها من الدول الأفريقية القريبة ومنها إلى أوروبا والعالم والعكس... صحيح مثل تجارة الهيروين وتداخل مصالح الدول مع الشركات العالمية والتنظيمات الإجرامية والإرهابية، فهل ستتحول الحرب الباردة القائمة لصراع مسلح مباشر بصورة جزئية وكلية بالوكالة في الأراضي الأفريقية بدايةً من المؤشرات الكبرى كالحروب الأهلية في أفريقيا، وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتقسيم السودان، وما يحدث في مصر وشمال أفريقيا؟ فهل هذه الحروب والمتغيرات والأحداث تدور من أجل مصلحة البشرية ونشر الديمقراطية فقط؟ بطبيعة الحال، فإن التدخل والعمليات العسكرية قد يكون لها عواقب سلبية على الدول المشاركة، وخاصة في أراض تلك الدول ومصالحها المنتشرة في العالم، وستكون في حالة تأهب مرتفع ومستمر لمواجهة ردود فعل إرهابية سيتطلب منها تشديد الأمن الداخلي بالإضافة إلى مواجهة الناشطين المتمردين في غرب أفريقيا، والذين قد يهاجمون شركات تعدين اليورانيوم والمصالح الأوروبية الأميركية في صراع إعادة فتح مالي، والتي تبدو للوهلة الأولى بأنها شأن فرنسي مع مستعمراتها السابقة، وهو في واقع الأمر ليس كذلك. فقد أصبحت التحديات الآن واسعة، وفتحت الباب على مصراعيه لمواجهة غربية مع تلك المجموعات المسلحة الخارجة على القانون والجماعات الإرهابية، والذي يصب بالضرورة في صراع المصالح الإستراتيجية والأمن الجيوسياسي في المنطقة. وسيقود حتماً إلى تدخل آخر من قبل فرنسا وحلفائها في أنحاء مختلفة من المنطقة، ووفق قراءة استشرافية للتصريحات العلنية القادمة من كل من لندن وواشنطن كتصريح رئيس الوزراء البريطاني، حيث أعلن أن الأزمة في مالي ستتطلب استجابة قد تدوم لسنوات، بل عقوداً وليس شهوراً. ومن جهة أخرى، فإن انضمام بريطانيا وإيفاد فرق "كوماندوز" خاصة إلى مالي، بالإضافة لطائرات الاستطلاع الأميركية من دون طيار، تؤشر إلى حرب طويلة قد تشن عبر منطقة الساحل في أفريقيا بأكملها، ومثل هذه التحركات والتصريحات تعكس التهديد المستمر الذي يراه الغرب في شمال مالي، وكأن الرأي العام في هذه الدول يهيأ لفتح جبهة جديدة لا نهاية لها في "الحرب على الإرهاب"، وخاصة في ظل التعاون الأميركي، وربما الخطط الجاهزة لإنشاء قاعدة طائرات من دون طيار في شمال غرب أفريقيا لزيادة حملات وطلعات المراقبة لتنظيم "القاعدة" وغيرها من الجماعات الإسلامية المتطرفة في المنطقة. وإن كنت أرى أنه من المرجح أن يكون موقع القاعدة الأميركية في النيجر، ويجب أن لا نستبعد إجراء الضربات الصاروخية الأميركية الذكية في مرحلة ما، خاصة إذا تفاقم التهديد. فالخوف الرئيسي يكمن في تهديد "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" بصورة عامة، وما هي نتيجة التدخل الأجنبي في شمال مالي، والتي يُخشى أن تستخدم كنقطة انطلاق لشن هجمات داخل البلدان الغربية، وهذا تهديد حقيقي وواقعي، وتوجد أدلة قوية على أن لديهم الإرادة والمهارة لتنفيذ هذه الأنشطة. مكافحة تنظيم "القاعدة" في شمال مالي ربما يكون الغطاء المثالي للولايات المتحدة وشركائها الغربيين لمتابعة استراتيجيتها الكبرى من احتواء الصين المتنافسة معهم على الجائزة الكبرى المتمثلة في القارة الأفريقية، بعد أن أصبحت التجارة الثنائية بين الصين وأفريقيا تقترب من 200 مليار دولار سنوياً. وبعد أن نمت بمعدل متوسط قدره 33.6 في المئة سنوياً على مدى العقد الماضي في ظل الاستثمارات الصينية المتنامية في أفريقيا. فهل هي بداية حرب وصراع على أفريقيا بصورة رسمية؟ وهل تتحول منطقة الساحل بأكملها لمنطقة رمادية أخرى وملاذ للمتطرفين وجذب وتدريب للإرهابيين على غرار أفغانستان أو الصومال، ولكن فقط على بضعة آلاف من الكيلومترات بعيداً عن أوروبا، وهذا سبب القلق، وكان وراء الالتزام الفرنسي بالدبلوماسية تارةً والعسكرية تارةً أخرى لفرض الأمن في المنطقة، وهذا بدوره ما يفسر أيضاً الدعم القوي الذي تقدمه لندن وواشنطن في البعد العسكري؟ ومن السابق لأوانه تقييم ما إذا كانت فرنسا، ستنجح نظراً للتحديات العديدة المرتبطة بالعملية ككل مثل: حجم الأراضي الشاسعة عبر الحدود التي تعمل الجماعات الإسلامية فيها، وعدد التهديدات التي يتعرض لها الرعايا الفرنسيون ومصالحهم في المنطقة ومع ذلك، ثمة التزام قوي من جانب جميع الجهات الفاعلة الإقليمية التي سمحت بتحليق الطائرات الفرنسية. وبعض الدول الأفريقية قررت المساهمة بقوات للقضاء على القوى المتمردة نهائياً، ولكنه من غير المرجح ذلك، وستمارس فرنسا دبلوماسية الخطاب الإعلامي السياسي ببراعة فائقة لتعلن الانسحاب وفق الخطة الموضوعة خلال الشهور القادمة. ولكنها هذه المرة دخلت لتبقى، لأنها تمثل مصلحة أكثر من دولة واتفاق مبرم بين هذه الدول لمواجهة توسع التنين الصيني وتهديد المد الإسلامي المتطرف.