جديد هو العنف الذي شهدته شوارع القاهرة ومحافظات مصرية عدة خلال الأسابيع الأخيرة. إنه عنف بلا برنامج أو آلية، ولا تحركه فكرة ما سواء نبيلة أو شريرة. ويستوي في ذلك عنف أنصار السلطة القائمة الآن، والغاضبين على سياساتها والمحتجين ضد ممارساتها. فعنف أنصار السلطة الذين يرفعون شعارات دينية يختلف عما عهدناه من إرهاب أصولي كانت مصر مسرحاً لأعماله في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ثم صارت «القاعدة» رمزاً له. وعنف الشباب الذي لجأت مجموعات محدودة منه إلى هذا الطريق لا يشبه نضال الجماعات اليسارية التي كان جيفارا رمزاً لها، ولا ممارسات جماعات أوروبية يستنسخ بعض هذا الشباب أسماءها مثل «البلاك بلوك» و«الإيجيلز». فما عنف أنصار السلطة، الذين هاجموا معتصمين سلميين قرب القصر الرئاسي المعروف باسم «الاتحادية» وحاصروا مقر المحكمة الدستورية العليا، وحاولوا حرق مقر حزب الوفد واستعرضوا قوتهم أمام مدينة الإنتاج الإعلامي، إلا محاولة لبث الرعب في قلوب خصومهم. وليست هذه المحاولة إلا إحدى وسائل استخدام القوة من أجل السيطرة على مفاصل الدولة وإعادة ترتيبها بطريقة تسّهل للسلطة إعادة إنتاج نفسها لفترة طويلة مهما كانت المعارضة لها. فهذا عنف من أجل السلطة، وقد صارت هدفاً في حد ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق غاية ما أو تنفيذ مشروع محدد واضح المعالم بعد أن ظهر خلو جعبة القائمين على هذه السلطة من «المشروع الإسلامي» الذي بشروا به طويلاً. وليست هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها أن الشعارات الدينية تظل مجرد لافتات تساعد مروجيها في استغلال ضعف الوعي العام، ولكنها لا تنطوي على محتوى أو مضمون يمكن أن يغير وجه الحياة إلى الأفضل. أما عنف الشباب الغاضب على هذه السلطة، لأنها بددت حلمه في تحقيق أهداف ثورة 25 يناير في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، فهو رد فعل عفوي في الأغلب الأعم لا يحمل في طياته بديلًا سياسياً واضحاً. إنه عنف من فقد الأمل الذي بدا له قريباً قبل نحو عامين، ومن أعياه الإحباط ولم تعد لديه ثقة في المعارضة السياسية التي حققت ما يشبه المعجزة عندما تحالف معظم مكوناتها في إطار «جبهة الإنقاذ الوطني»، ولكنها لم تتمكن من استثمار هذا التحالف في طرح بديل متكامل يحقق توازناً سياسياً ويبدد المخاوف من هيمنة «الإخوان» على مفاصل الدولة، بسبب ضعف التنظيم ومحدودية الرؤية. ولكن الفرق بين هذا العنف وذاك هو عنصر القيادة. فمن الطبيعي أن يكون لأنصار السلطة الذين يمارسون العنف أو يهددون به قيادة في جماعة «الإخوان» وجماعات أخرى مؤيدة لها كان أكثرها وضوحاً في هذا المجال خلال الفترة الماضية حركة «حازمون» وعدد من الحركات الأخرى الصغيرة. ومن المنطقي، في الوقت نفسه، أن يكون عنف خصوم السلطة بلا قيادة، لأنه رد فعل على عجز أحزاب وقوى المعارضة بما فيها حركات الشباب التي كان لها دور رئيسي في الإعداد للاحتجاجات التي أدت إلى تنحي مبارك قبل نحو عامين. فالشباب الغاضب يرفض السلطة ولا يثق في المعارضة بمختلف اتجاهاتها وأشكالها وأجيالها في آن معاً. فقد ضيعّت السلطة أمله في بناء مصر جديدة حرة ناهضة، وأفقدته المعارضة العاجزة عن إعادة بناء نفسها على أساس شعبي وليس نخبوياً الثقة في النضال السلمي الذي صار موضع سخريته، فرفض محاولات نصحه بعدم إهدار الشعار الذي استمدت منه الاحتجاجات ضد نظام مبارك قوتها المعنوية والأخلاقية، وهو شعار «سلمية ... سلمية». ولكن الفرق الأكثر جوهرية بين عنف أنصار السلطة وخصومها هو أن أحدهما نتيجة للآخر. فكان بعض أنصار السلطة هم الذين بدأوا العنف عندما هاجموا المظاهرات التي خرجت في منتصف سبتمبر الماضي للتنديد بعدم إنجاز الرئيس محمد مرسي ما وعد بتحقيقه خلال المئة يوم الأولي وحطموا المنصة التي أقامها المتظاهرون في ميدان التحرير. ولكن العنف الأكثر شراسة حدث في هجوم بعض أنصار السلطة على معتصمين أمام قصر رئاسة الجمهورية في أول ديسمبر الماضي احتجاجاً على «إعلان دستوري» صدم المجتمع كله. ووقع هذا الهجوم المسلح على المعتصمين بتعليمات من قيادة جماعة «الإخوان المسلمين» التي أعلنت ما تسميه «النفير العام». فنزلت مجموعة من شبابها ذات طابع ميليشياوي، ولكنها لا تعد «ميليشيات» بالمعنى الدقيق للكلمة، لمهاجمة المعتصمين الذين أسرع أنصارهم لنجدتهم فنشبت معارك شوارع استغرقت أكثر من 12 ساعة وأسفرت عن سقوط تسعة من الشباب. وكان بعض مؤيدي السلطة هم الذين بدأوا ممارسة العنف في الوقت نفسه، ولكن في مكان آخر، عندما حاصروا مقر المحكمة الدستورية العليا ومنعوا قضاتها من ممارسة عملهم بهدف تعطيل نظر قضيتين تتعلقان بمشروعية الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى. ولم تحرك السلطة ساكناً لحماية العدالة وتحرير المحكمة التي بقيت محاصرة حتى تم إصدار الدستور الجديد الذي أضفى حصانة على مجلس الشورى المطعون ضده. وعندما بدأ هذا العنف ذو الطابع السلطوي ينتج نقيضه، أصبحت السلطة في حاجة إلى قمعه بصورة رسمية. وهذا يفسر استبدال وزير الداخلية في التعديل الوزاري الذي حدث في بداية يناير الماضي في الوقت الذي بدأ عنف بعض الشباب الغاضب في الظهور متزامناً مع الأجواء الثقيلة التي خيمت على مصر عشية قرار المحكمة في قضية مذبحة ملعب بورسعيد، والذي صدر في 26 يناير الماضي متضمناً إعدام 21 من المتهمين. فقد سبقت ذلك القرار «إنذارات» عنيفة وجهها أعضاء رابطة «ألتراس الأهلي» بإحالة البلاد إلى فوضى إذا لم يؤد حكم القضاء إلى القصاص لزملائهم الذين سقطوا في تلك المذبحة، وأعقبته ممارسات عنيفة أمام سجن بورسعيد احتجاجاً على ذلك الحكم. واختلط كل هذا بأعمال «بلطجة» جنائية، وبالعنف العشوائي الذي يمارسه «أطفال الشوارع» الذين يستغلون حدوث أي قلاقل للتعبير عن غضبهم على المجتمع الذي لم يتحمل مسؤوليته الاجتماعية تجاههم. وهكذا كان ممكناً ألا يُحدث لجوء بعض الشباب الغاضب سياسياً إلى العنف الأصداء الكبيرة التي ترتبت عليه لولا تزامن ذلك مع أزمة قضية ملعب بورسعيد وما اقترن بها من أجواء شديدة الأثر. ولذلك فشتان بين العنف الذي مارسه بعض أنصار السلطة وعنف بعض الشباب الغاضب الذي دُفع في هذا الاتجاه الخطأ والخطر دفعاً بعد أن تبدد أمله في حياة كريمة وفقد الثقة في الجميع. غير أنه بين هذا العنف وذاك، تبدو مصر تائهة لا تعرف لها طريقاً ولا يجد شعبها إجابة على السؤال الذي يشغله ليل ونهار وهو: إلى أين؟