رغم المحاولات العديدة التي بذلت في حقل الدراسات القرآنية في الساحة العربية الإسلامية، يمكن القول إن هذا الجهد لا يزال ضعيفاً محدوداً وارتجالياً في الغالب، بالمقارنة مع التراث التأويلي والتفسيري الثري والمتشعب الذي لا يزال هو الأرضية المرجعية لعموم المسلمين. يتمحور هذا التراث حول كتب ثلاثة أساسية هي: «جامع البيان في تأويل آي القرآن» لأبي جعفر الطبري، و«الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل» للزمخشري، و«مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي، ففي حين شكل كتاب الطبري النموذج التأسيسي لتقليد التفسير الإسلامي في استقلاليته عن السير والمأثورات واستثماره للجوانب الفقهية في الكتاب المعظّم، فإن كتاب الزمخشري المعتزلي هو الذي كرس المقاربة البلاغية في تأويل القرآن الكريم بتطبيق نظرية الجرجاني في النظم وقد حظي الكتاب بقبول واسع لدى أهل السنة على رغم تحفظهم على مواقفه الكلامية. أما تفسير الرازي الذي هو إمام الأشعرية المتأخرة فيتميز كتابه بالمنهج التكاملي الموسوعي الجامع بين التأويلية البلاغية والمباحث الكلامية الفلسفية والأحكام الفقهية. وقد شكل المبحث التفسيري مشغلاً رئيساً من اهتمامات الإصلاحيين النهضويين، وبرز في هذا الباب تفسير «المنار» الذي بدأه الإمام محمد عبده واستكمله تلميذه رشيد رضا، وكتاب «التحرير والتنوير» للطاهر بن عاشور. ورغم أن الكتابين لم يخرجا إجمالاً عن المقاربة التفسيرية الكلاسيكية، إلا أنهما حملا بوضوح الهموم التجديدية الإصلاحية التي ينضح بها الخطاب النهضوي الإسلامي الحديث، وظهرت فيهما إرهاصات الأنماط الجديدة من التفسير وعلى الخصوص مبحث «الإعجاز العلمي» التي انتشرت على نطاق واسع في النصف الثاني من القرن العشرين. وإذا تركنا جانباً المقاربات التاريخية النقدية في التأويلية القرآنية التي برزت بوضوح في أعمال محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وبطريقة جزئية في كتاب الجابري الأخير في «فهم القرآن الكريم»، أمكننا القول إن الدراسات القرآنية الإسلامية تمحورت إجمالاً حول اتجاهين - تداخلا في بعض الأحيان- ذهب أحدهما إلى مسلك «تأويلية رؤية العالم» وذهب ثانيهما في اتجاه «التحليل الأدبي والدلالي» للخطاب القرآني. أهم من سلك الاتجاه الأول هو المفكر الباكستاني الأشهر «فضل الرحمن» الذي يتميز بكونه أول عالم مسلم اطلع على التأويليات المعاصرة وأراد تطبيقها على النص القرآني من منظور إيماني وإصلاحي ملتزم. وتقوم مقاربة «فضل الرحمن» على مبدأ الحركية المزدوجة: الدراسة الموضوعية للنص في مصدره وظروف تشكله وإعادة صياغة مقاصده وغاياته العليا الثابتة وفق سياقات العصر ومقتضياته. في الجانب الأول، تتم النظرة للكتاب الإلهي في ضوء ظروف ومحددات سياق التلقي الأصلي أي المجتمع العربي الجاهلي الذي نزل القرآن بلغته وتعامل مع واقعه المجتمعي، وفي الجانب الثاني يتم تجريد النص من ملابساته التاريخية أي فصل القيم الكونية السامية المتعالية عن معايير تنزيلها الظرفية وفق معايير المشروعية الدلالية الحالية. ومع أنه يصعب تصنيف المقاربة الجريئة التي قدمها «أبو القاسم حاج حمد» في إطار استكشاف ما أسماه بالمنهجية المعرفية القرآنية، إلا أنه من البديهي أنه أراد استكناه رؤية العالم في الكتاب العزيز من خلال ثنائية القراءتين: قراءة القرآن المنظور قراءة تحليلية متدبرة، وقراءة الكون المنشور قراءة سننية عملية، باعتبار أن القرآن هو الوعي المعادل للوجود الكوني وحركته. ويمكن القول إن «الحاج حمد» أبدع نماذج تأويلية خصبة، كان لها تأثير سريع خصوصاً منذ تلقفها مشروع «أسلمة المعرفة» ووظفها في سياقات لم تكن دوماً منسجمة مع حدس المفكر السوداني الراحل. أما المسلك الأدبي الدلالي فأهم ممثليه هو بدون شك المستعرب الياباني «توشويهكو إيزوتسو» في كتابه الرئيسي «الله والإنسان في القرآن» الذي اعتمد فيه منهجاً سيميولوجياً مبتكراً تناول من خلاله الأنساق الدلالية في القرآن عبر دراسة تحليلية للتعابير المفتاحية فيه ومستويات الدلالة القاعدية والسياقية، من أجل النفاذ من خلال التحليل اللغوي إلى عناصر الرؤية المفهومية والأخلاقية التي يحتويها النص المقدس. ومع أن مدرسة الناقد واللغوي المصري أمين الخولي (من أبرز عناصرها زوجته عائشة بنت الشاطئ) قامت بمحاولات لبناء منهجة بيانية جديدة في تفسير القرآن، إلا أنها لم تفض إلى نتائج دالة (باستثناء الضجة الكبرى التي ولدتها أطروحة محمد أحمد خلف الله حول الفن القصصي في القرآن الكريم). ويمكن أن ندرج في هذا المنحى تفسير سيد قطب «في ظلال القرآن » الذي استقصي فيه ملامح «التصوير الفني» في القرآن مع أن الكتاب قد طغى عليه التجييش الأيديولوجي والنغمة الإقصائية المتطرفة. ونشير هنا إلى أن المنهج الأدبي الدلالي قد أصبح له حضور واسع في الحقل الأكاديمي، من خلال تطبيق النظريات الأسلوبية والسيميائية على القرآن الكريم باستكشاف بنيته التركيبية وأساليبه الحجاجية وتداخلاته التناصية، دون أن تكون لهذه الجهود المهمة دلالة فاعلة في المنظور التأويلي الحي أي نمط تلقي وفهم النص في الوعي المسلم. ولابد أن نضيف إلى هاتين المدرستين المحاولة التي قدمها حسن حنفي في كتابه «من النقل إلى العقل» (الجزء الأول) الذي طرح فيه منهجية تأويلية تقوم على مرتكزين أساسيين هما: مخاطبة شعور المتلقي للنص، وإعادة بناء دلالته بحسب واقع الناس المعيش ومصالحهم الحيوية القائمة. ومع أن حنفي وظف عدة منهجية تنتمي للمعجم الفينومينولوجي (تحليل الشعور)، إلا أن مقاربته لم تتجاوز أفكاره المألوفة حول تثوير التراث وتجاوز المنظور النقلي في الدين لتكريس قيم العقلانية بمفهومها الاجتماعي النضالي الملتزم.