جاء تصريح مديرة منظمة الصحة العالمية أثناء انعقاد قمة طارئة لزعماء بعض دول غرب أفريقيا، أول من أمس، بأن معدلات انتشار فيروس الإيبولا، أصبحت تتخطى وتتفوق على الجهود الرامية لاحتواء المرض، ليشكل حلقة جديدة من حلقات مسلسل الرعب الذي يسببه هذا الفيروس اللعين منذ بضعة شهور، وخصوصاً مع تحذيرها بأن الفشل في السيطرة على الفيروس قد يصبح كارثة إنسانية بكل المقاييس، بناء على عدد الوفيات الذي قد ينتج عنه. ومن الأكيد أن تصريح الرئيس الأميركي أوباما، بأن جميع المشاركين في مؤتمر «الولايات المتحدة-أفريقيا» الذي سيعقد الأسبوع القادم، سيخضعون جميعاً للفحوص - قبل أو بعد وصولهم للولايات المتحدة - لو كان هناك أي خطر من أن يكون أحدهم قد تعرض للفيروس، حتى لو كان هذا الخطر متناهي الصغر إلى أبعد الحدود. وعلى المنوال نفسه، طالب عدد من الرياضيين الأفارقة الدول التي ينتشر فيها الفيروس، والذين يشاركون في دورة ألعاب الكومنولث التي تعقد في مدينة جلاسجو البريطانية حالياً، بأن لا يعودوا إلى بلادهم بعد انتهاء دورة الألعاب، وتمديد فترة إقامتهم في بريطانيا حتى ينقشع الوباء، بينما فر بعضهم من سكنهم، ولا يعلم أحد أماكن وجودهم حالياً. ويعتبر الوباء الأخير من الإيبولا، الذي بدأ في شهر فبراير الماضي، وشمل عدداً من دول غرب القارة الأفريقية، مثل ليبيريا وغينيا وسيراليون، هو الأسوأ على الإطلاق منذ اكتشاف الفيروس لأول مرة في عام 1976، على صعيد عدد الإصابات والوفيات. فحسب آخر الأرقام والإحصائيات عن الوباء الحالي، أصيب 1320 شخصاً بالفيروس خلال الأشهر الستة الماضية، لقي 730 منهم حتفهم حتى الآن. ويمكن إدراك مدى خطورة الوباء الحالي من حقيقة أن أكبر وأخطر وباء سابق لفيروس الإيبولا، الذي وقع في منطقة «يامبوكو» بزائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) في عام 1976، نتجت عنه 318 إصابة، و280 وفاة فقط. أي أن أخطر وباء للإيبولا في الماضي، تسبب في عدد إجمالي من الوفيات يقل عن 40 في المئة من عدد الوفيات الذي تسبب فيه الوباء الحالي حتى الآن، والذي ما يزال مستمراً دون أن تبدو له نهاية في المستقبل القريب. وإن كان التطور في فهم طبيعة المرض، وكيفية انتقاله، وتأثيره على أعضاء وأجهزة الجسم، قد مكن الأطباء من خفض نسبة الوفيات بين المصابين، فعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة الوفيات في الوباء الحالي، حوالي 55 في المئة، وهو ما يعني أن واحداً فقط تقريباً يلقى حتفه من بين كل اثنين أصيبا بالفيروس، وهذه تعتبر نسبة منخفضة مقارنة ببعض الأوبئة السابقة للفيروس، مثل الوباء الذي وقع عامي 2002- 2003 في الجابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكانت نسبة الوفيات فيه تبلغ 90 في المئة، أي أن شخصاً واحداً فقط كان يظل على قيد الحياة، من بين كل عشرة أشخاص أصيبوا بالفيروس. والإيبولا مرض معدٍ، يعرف علمياً باسم الحمى النزفية الفيروسية، حيث يعتبر النزيف الداخلي والخارجي من أهم علاماته وأعراضه، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأعراض الشبيهة بأعراض الإنفلونزا، مثل الحمى، والرعشة، والإرهاق العام، وآلام المفاصل والعضلات. وغالباً ما يتصاحب المرض مع إسهال شديد، وأعراض تدل على إصابة الجهاز التنفسي، مثل الكحة، والتهاب الحلق، وصعوبة التنفس، أو على إصابة الجهاز العصبي المركزي، مثل الارتباك، والتهيُّج، ونوبات التشنج، والغيبوبة أحياناً. وينتقل الفيروس غالباً عن طريق الدم، من خلال استخدام الحقن الملوثة مثلاً، وعن طريق سوائل الجسم بين الأشخاص المتقاربين مكانياً، وربما أيضاً من خلال طرق أخرى غير معروفة أو مفهومة بالكامل حالياً. وينتشر الفيروس بشكل رئيسي في دول وسط القارة الأفريقية، من الشرق إلى الغرب، وتصنف أنواعه حسب دولة المنشأ، إلى النوع «الإيفواري» نسبة إلى ساحل العاج، والسوداني، والزائيري الكونغولي، الذي يعتبر، كما ذكرنا، هو أخطر الأنواع على الإطلاق، بنسبة وفيات تتخطى 90 في المئة بين المصابين، وهو أيضاً النوع المسؤول عن أول وباء للفيروس في 1976. وعلى الرغم من أن المؤتمرات والقمم التي يحضرها الزعماء، كتلك التي صرحت وحذرت من خلالها مديرة منظمة الصحة العالمية مؤخراً، هي عادة فعاليات توفر إطاراً مهماً للتعاون الدولي، لا خلاف على أن الموقف الحالي في أمسِّ الحاجة إليه، إلا أن المعركة الحقيقية تدور رحاها حالياً على المستوى المحلي، بين أفراد الطاقم الطبي، وبين واحد من أخطر الفيروسات التي قد تصيب أفراد الجنس البشري، وهو بالتحديد المكان الذي ستربح أو تخسر فيه الحرب برمتها. والمطلوب حالياً من المجتمع الدولي، أن تتضافر جهوده، وأن يسارع بتوفير الدعم الفني والتقني والمالي لمن هم على الجبهة وفي الخطوط الأمامية، وألا ننسى جميعاً أن أوبئة الأمراض المُعدية الخطيرة، حتى وإن كانت بداياتها محلية متواضعة، إلا أنه لا يوجد الكثير من العوائق التي تمنعها من أن تتحول إلى أوبئة عالمية بكل المقاييس، لا تبقي ولا تذر، وخصوصاً في ظل حالة العولمة التي تعيشها المجتمعات الإنسانية حالياً، وسهولة السفر والترحال، وانتقال الجراثيم عبر الدول والقارات.