«آشوكا»: ناموس التاريخ
مع نهاية مارس 2015 كانت اليمن مقبلة على دورة عنف جديدة بعد أن أوشكت جماعة الحوثيين من التهام البلد كلها، مما عجل بتدخل عسكري عربي. والمسألة لا تقف عند الحوثيين بل تتجاوزه إلى شهوة التوسع الفارسي، وهي قصة مكررة في التاريخ، ونهايتها مختومة محتومة. فالإسكندر ومعركة جواجاميلا، وقوبلاي خان ومحاولة اجتياح اليابان، ونابليون ومحاولة ابتلاع أوروبا، ومدرعات جودريان الهتلرية في الحرب العالمية الثانية.. كانت نتائجها بلا استثناء وبالا على الغازي المتمدد.
يذكر ذلك القانون المؤرخ الأميركي بول كيندي في كتابه «صعود وسقوط القوى العظمى» من خلال دراسة تاريخية قام بها على القوى العالمية التي تمددت خلال القرون الخمس الفارطة. نفس الشيء قام به جاك أتالييه في كتابه «آفاق المستقبل» مطبقاً النظرية الاقتصادية العالمية في نشأة المراكز الاقتصادية ثم إصابتها بداء القرون وتحول المركز من بلد إلى آخر بل من قارة إلى أخرى، كما حدث في تحول المركز الاقتصادي من هولندا إلى بريطانيا ثم إلى نيويورك.
ومع ذلك فثمة استثناءات على القاعدة، كما عرفنا عن الملك «آشوكا» الهندي، ولعل في قصة نبي الله يونس ما يشبه ذلك، من نجاة المجتمع بعد تنكره للمصلح، فيقول القرآن الكريم: «إلا قوم يونس»، كنموذج استثنائي.
وفي عام 273 قبل الميلاد اعتلى عرش الهند الملك «آشوكا فارذانا»، وكان ملكاً جباراً يحكم بالحديد والنار، فبنى سجناً رهيباً مَن دخله لا يغادره حياً. وذات يوم أخبره السجان أن راهباً بوذياً ألقي في القدر المغلي فلم يصب بأذى، فهرع الملك ليجد الراهب معافى لم يصبه سوء. وكما تقول الرواية، فقد رجع «آشوكا» إلى قصره في ذلك اليوم، ولم يذق طعم النوم، ولم يخرج عليه الصبح إلا وقد استولت عليه مشاعر الرحمة بالعباد، فأمر بهدم «سجن الجحيم»، ثم أصدر أوامره بالكف عن الحرب، وبدأ في حملة بناء المدارس والمشافي بما فيها مستشفيات للحيوانات. وهكذا كفت طبول الحرب عن القرع، ونطق القانون، وبدأ الرجل يعيش ببساطة، وبنى 48 ألف مركز ثقافي للبوذيين، وأرسل اعتذاراً عجيباً لقبيلة «كالنجا» عن الحرب معهم، وأعاد إليهم أراضيهم وعوّضهم عن كل خسائرهم.
لم يصدق الناس كيف تحول الوحش إلى ملاك! والواقع أن «آشوكا» قد انقلب جذرياً، وآمن بالسلم وسيلة لحل المشاكل بين البشر، وكف عن شن أية غارة أو حرب ضد الجيران، وتوقف عن مصادرة حياة الناس داخل بلده. وبدلا من ذلك بدأ بنشر تعاليم الرحمة، وأوصى موظفيه أن يحسنوا إلى الناس بالحب والرحمة، وأن يعاملوهم مثل أبنائهم.
وتقول الرواية إن الرجل في النهاية حصل معه كما حصل مع الإمبراطور الفيلسوف (ماركوس أوريليوس)، أو قبل ألفي عام مع الفرعون المصري إخناتون، حيث انهدم كل أثر بعدهما، ورجعت الدولة كما كانت تمارس لعبة السيف والدم. وسوف يدوم هذا إلى حين ولادة دولة عالمية، تمسك مقادير البشر، وينضج الجنس البشري بما فيه الكفاية، لينعم الناس بالسلام.
وأبرز ما ترك «آشوكا» الذكرى العطرة في التاريخ، كما أن إليه يعود نشر البوذية من سيلان إلى اليابان، فذلك أثر من آثاره، شاهداً على أثر السياسة في المذاهب، «والله أنزل الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب».