الصراع السوري ليس أزمة معزولة، بل جزء من خطط أكبر للقوى الكبرى في حرب تترواح بين البرودة والسخونة، لتستهدف كل من يقف ضد مصالحها وبالتالي بلقنة سوريا، ووضع حد للهيمنة، والعزف المنفرد على الساحة العالمية. ومن السذاجة أن نعتقد أن تدخل روسيا وتحريك الأساطيل الصينية أو مقترحات وإسناد وضربات واشنطن أمر آخر غير تقسيم سوريا، وهو بدوره لن يؤدي إلى سلام أو استقرار في الشرق الأوسط، وهذا الصراع لن يكون نهاية للصراع الإقليمي، وإنما بداية النهاية فقط. وعلى غرار نموذج الولايات المتحدة في أوروبا الصين تهيمن على الأسواق الخارجية في البلدان النامية في جنوب آسيا، وتغزو العالم ككل اقتصادياً، وتستثمر في جميع المجالات وفي جميع القارات. وللصين استراتيجية تسمى استراتيجية البحار الأربعة، بحر قزوين والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، والخليج العربي ومنطقة البحار الأربعة (70% من احتياطيات العالم المؤكدة للطاقة)، ولذلك سوريا مهمة للصين بموقعها المثالي لتحويلها بالوكالة لميناء ومركز تجاري صيني بثقافة رباعية الخيام، ورعاية خماسية: (بكين- موسكو- أنقرة- دمشق- طهران). وتشمل الاستراتيجية العراق والقوقاز في سلسلة جغرافية متصلة تربط البحار الأربعة، وبمجرد أن توصل هذه البحار الأربعة، تصبح تقاطعاً إلزامياً للعالم كله في الاستثمار، والنقل، وأكثر من ذلك. فدول مثل الصين وأميركا وروسيا وفرنسا وغيرها تدرك حجم وتأثير هذه العلاقات الإستراتيجية بين سوريا والآخرين، ومتى ما تم توقيع الاتفاقية بين الأطراف المختلفة على ذلك التحالف الحيوي تتزايد أهمية سوريا للعالم، كما أن سوريا عقدة النهاية التقليدية لطريق الحرير القديم بحكم موقعها الجغرافي. وقبل الحرب في سوريا، كانت الصين تستخدمها بالفعل كمركز للشحن العابر، ومحطة لمواجهة الحلف الأطلسي، كما أن الأسهم الأكبر في صناعة سوريا من النفط، مع شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) وعقود وصفقات بمليارات الدولارات للمساعدة في استكشاف وتطوير المناطق المنتجة للنفط في سوريا، مما يجعل بقاء نظام الأسد أو حزبه، أمرا غير قابل للتفاوض الجدي واقعياً. ويعطي موقع سوريا المتاخم لتركيا بعداً آخر في مشاريع بناء شبكات السكك الحديدية عالية السرعة التي ستربط آسيا الوسطى والشرق الأوسط بأوروبا، والتي ستبلغ سرعتها 350 كم في الساعة، وما يعنيه ذلك من الناحية الاقتصادية والعسكرية، كما أن سوريا جوهرة تاج مشروع ربط العالم بالصين بعد توقيع الأخيرة عقود سكك حديدية مع إيران وإسرائيل والأردن ومصر لربط أفريقيا في نهاية المطاف مع الشرق الأوسط عبر مصر، ولذلك لاعودة لسوريا كما كانت. وحقيقة السياسة القذرة التي تمارسها قوى الهيمنة العالمية في المنطقة العربية تتمثل في أنها استعمار أشد قسوة ووطأة من سابقه، والتاريخ يسجل تلك الغوغاء واستخدام التضحية بالبشر بصورة غير مسبوقة في العصر الحديث لدرجة جعلت من المنظمات الإرهابية صناعة قائمة بذاتها لشن الحروب بالوكالة، وضرب القوى الإقليمية ببعضها تمهيداً للضربة القاضية التي سترجعنا لسنين الانتداب، ولن نحرك ساكناً حيال ذلك في ظل الفروقات الشاسعة، التي ستمكن الاستعمار بصبغته الجديدة من تجاهل الرأي الدولي والتحكم تماماً بالقرارات الأممية أكثر مما هو عليه الحال اليوم، فلك أن تتصور حجم المأساة وكيف ستصبح دول العالم الأضعف مزارع طاقة وتجميع صناعي، آنذاك لا تقل لي: «مقاومة» أو«نفديك بالأرواح يا وطن»، عندما تدُمر مدن كاملة بضغطة زر واحدة بأسلحة ذكية، بينما لا يزال البعض يتدرب على عمليات الإنزال خلف صفوف العدو. فمن الواضح أن المشكلة أكبر من سوريا، وحتى أكبر من الفوضى الجيوسياسية الحادثة في المنطقة، فترك روسيا والصين خارج اللعبة عندما تم التخطيط لشرق أوسط جديد هو خطأ إستراتيجي ارتكبه عباقرة السياسة الإمبريالية في البيت الأبيض. فهل سترتكب الصين وروسيا الخطأ نفسه مع الهند والقوى التي في طريقها نحو التحول إلى قوى عظمى، أو يتم إغفال أهمية أوروبا وسلاحها المعرفي. ومن جهة أخرى، فإن تدخل موسكو في سوريا ينم عن التزام روسيا بمفهوم عالم متعدد الأقطاب بمباركة الصين، مما يعني إعادة توزيع أداور الهيمنة والتحكم بمصادر الطاقة العالمية، والمسؤولية العالمية والثروات وضمان استمرار اعتماد أوروبا على الغاز الروسي والتحكم في خط الأنابيب المقترح من إيران إلى تركيا، ومنه إلى أوروبا الغربية وخط أنابيب آخر من إيران إلى باكستان قيد الإنشاء، مما يجعل نيودلهي وإسنطبول جزءاً من اللعبة كذلك.