شهدت العاصمة البريطانية مؤخراً، افتتاح أكبر معمل بيوتكنولوجي في القارة الأوروبية، متخصص في أبحاث ودراسات التقنية الحيوية الطبية. وذلك بعد أن استغرق إنشاؤه خمس سنوات كاملة، بتكلفة بلغت 650 مليون جنيه إسترليني (3,2 مليار درهم)، وميزانية تشغيل سنوية قدرها 130 مليون جنيه إسترليني (650 مليون درهم). ويمكن إدراك حجم هذا الصرح العلمي الفريد، من حقيقة أن مساحته الإجمالية تبلغ 93 ألف متر مربع، أي ما يعادل مساحة 23 فداناً، أو 17 ملعب كرة قدم، موزعة على 12 طابقاً، 8 منها فوق الأرض و4 تحت الأرض، كما يتوقع أن يعمل فيه أكثر من 1550 موظفاً، منهم 1250 عالماً وباحثاً. وقد أطلق على المعهد الذي يقع خلف المكتبة البريطانية في حي «كامدون» في الشمال الشرقي للعاصمة البريطانية، اسم العالم الشهير «فرانسيس كريك»، الذي شارك في اكتشاف تركيب الحمض النووي الأميني، أو «الدي إن إيه»، أو المادة الوراثية المكونة للجينات، عام 1953، بالتعاون مع العالم الأميركي «جيمس واتسون»، وفازا عن اكتشافهما هذا بجائزة نوبل في الفسيولوجي (الطب) عام 1962. ويحمل مصطلح «أبحاث البيوميديكال» (Biomedical Research)، أو (الأبحاث الحيوطبية) حسب الترجمة الحرفية، العديد من المعاني والدلالات التي تبدو للوهلة الأولى كما لو كانت متباعدة ومتباينة، ولكنها في الحقيقة تصب في النهاية في هدف واحد. فعلى سبيل المثال، هناك مجال الهندسة الحيوية- الطبية (Biomedical Engineering)، التي تُعنى بتطبيق مبادئ الهندسة ومفاهيم التصميم الهندسي في المجال الطبي، لأغراض التشخيص والعلاج ضمن منظومة الرعاية الصحية. ويسعى هذا المجال إلى سد الفجوة بين الهندسة والطب، من خلال توظيف المهارات الهندسية في معالجة المشكلات الطبية. وبخلاف المجال الهندسي، يشير مصطلح أبحاث البيوميديكال إلى الأبحاث الطبية الأساسية، أي غير السريرية أو الإكلينيكية، التي تعتمد على مشاركة المرضى في الدراسات، لبيان فعالية عقار مثلًا، أو أمن وسلامة تدخل علاجي معين، بينما تجرى الأبحاث البيوميدكال غالباً في المعامل فقط، أو على بعض الحيوانات أحياناً. ويسعى المعمل أو المركز البحثي الضخم، الذي يعرف رسمياً بمعهد فرانسيس كريك «Francis Crick Institute» للإجابة عن سبعة أسئلة رئيسة، هي: كيف يحصل الكائن الحي على الشكل، والتركيب، والوظائف الخاصة به؟ كيف يحافظ الكائن الحي على صحته وعافيته عبر مراحل الحياة، وخلال تقدمه في العمر؟ كيف يمكن للمعرفة البيولوجية أن تزيد من فهمنا للأمراض، ومن قدرتنا على تشخيصها وعلاجها؟ كيف يبدأ السرطان، وينتشر، ويستجيب للعلاج؟ ثم كيف يمكن لجهاز المناعة أن يعرف متى وأين وكيف يستجيب للدفاع عن الجسم؟ كيف تقوم الجراثيم والميكروبات بالعمل، وكيف تتفاعل مع مضيفها أو ضحيتها؟ وأخيراً، كيف يخزن الجهاز العصبي المعلومات، وينظمها، ويرتبها، ليستدعيها وقت الحاجة، وعلى مدى الحياة؟ وهذه الأسئلة قد تبدو فلسفية في شكلها الخارجي، ولكنها في الحقيقة تلخص المعضلات العلمية التي تسعى الجهات المشاركة في هذا الصرح العلمي للبحث عن حل لها. وهذه الجهات تشمل حالياً «كينجز كولدج لندن» و«إمبريال كولدج لندن»، و«يونيفرستي كولدج لندن»، و«ولكام ترست»، ومجلس الأبحاث الطبية البريطاني، ومنظمة أبحاث السرطان البريطانية الخيرية، وقد ساهمت جميعها في تكلفة إنشاء هذا المعهد، بمبالغ تتراوح بين 40 مليوناً إلى 300 مليون جنيه استرليني للجهة الواحدة. وهو ما يؤكد مدى اقتناع تلك المؤسسات العلمية العريقة، بأن الاستثمار المستمر والمتواصل في البحث والتطوير، دائماً ما شكل ركناً أساسياً في التميز الأكاديمي، وتحقيق الاختراقات التكنولوجية، وبلوغ الريادة العالمية. وهذه الحقيقة تدركها أيضاً حكومات العديد من الدول، مما جعل الاستثمار في البحث والتطوير - إما بشكل مباشر أو من خلال المؤسسات الأكاديمية والجامعات- هو حجر الزاوية في أي استراتيجية وطنية هادفة لتحقيق مرتبة متقدمة على صعيد التنافسية العالمية. ويتضح ذلك بشكل جلي من الإحصائيات والبيانات الصادرة عن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأربع والثلاثين، والتي تظهر ميزانيات هائلة وضخمة بكل المقاييس، موجهة فقط لغرض البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في تلك الدول. وجدير بالذكر أن تونس حتى وقت قريب كانت تحتل رأس قائمة الدول العربية الأكثر إنفاقاً على البحث والتطوير -بالنسبة إلى مجمل دخلها القومي- وبنسبة 0,86 في المئة، أو 660 مليون دولار سنوياً. وفي الوقت نفسه تنفق إسرائيل 4,2 في المئة من مجمل دخلها القومي. وإذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الناتج القومي الإسرائيلي، الذي يقارب 250 مليار دولار سنوياً، يمكن بحسبة بسيطة تقدير أن إسرائيل تنفق أكثر من 9 مليارات دولار سنوياً على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وهو ما يزيد على حجم ميزانيات الأبحاث والدراسية العلمية في دول الجوار مجتمعة.