حلف شمال الأطلسي.. وشبح الأفول
بدأ حلف شمال الأطلس(الناتو) بداية رائعة منذ 71 عاماً، بتوقيع معاهدة واشنطن من قبل ممثلي 12 دولة، تعهدت بالدفاع عن بعضها بعضاً إلى الأبد. ولكن الحلف انتهى نهاية مخزية قبل ثلاثة أسابيع، عندما قام حارس أمن فلمنكي يدعى«كاريل فان آخن» بإغلاق بوابة المقر الرئيسي للناتو في بروكسل بالأقفال.
الحلف مازال قائماً، من الناحية الفنية، كما أن المعاهدة التي تنظمه ما تزال سارية، وما تزال الدول الأعضاء الثماني والعشرون ملتزمة- نظرياً- بالدفاع عن بعضها بعضاً ضد أي عدوان خارجي، كما تستمر المؤتمرات التي تعقدها المراكز الفكرية في إجراء مناقشات لا تنتهي حول وضع «الناتو» في قاعات اجتماعاتها المزخرفة، وتواصل جورجيا الإعلان عن تمسكها بطموحها في الانضمام للحلف في المستقبل البعيد.
ولكن قبل وقت طويل من اللحظة التي غادر فيها السكرتير العام للحلف جيرهارد شرودر، مقر قيادته شبه الخالي الشهر الماضي، كان من الواضح لجميع المراقبين، أن الناتو قد تحول في بحر سنوات قليلة فقط، من واحد من أقوى التحالفات، وأكثرها نجاحاً في التاريخ إلى مجرد، حلف ليس له أي أهمية. والذي حدث هو أن الحلف تعرض للتدمير ليس من قبل الجيوش الروسية، ولكن بسبب عدم الاهتمام من جانب أعضائه.
وقصة احتضار الناتو تبين أن التحالفات تنتهي في بعض الأحيان ليس بدويّ يصم الآذان، وإنما بمجرد أنين.
الأنين الطويل
في حالة «الناتو»، بدأ الأنين الطويل الذي انتهى باحتضاره، مع تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في يناير 2017. فالذي حدث طيلة الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2016، هو أن ترامب دأب على توجيه انتقادات لحلفاء أميركا، الذين لم يجعلوه يشعر بأنهم يتحملون عبء الدفاع عن أنفسهم، كما قال. وخلال تلك الحملة ألمح ترامب إلى أنه عندما يصبح رئيساً، لن يدافع عن الحلفاء الذين لا يدفعون حصتهم، كما أثنى على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأمر الذي أدى إلى مفاقمة مخاوف دول أوروبا الشرقية من أن يتخلى عنهم ترامب ويتركهم تحت رحمة روسيا.
وبمجرد أن أصبح رئيساً، أصبح موقف ترامب نحو أوروبا والناتو حافلاً بالأخطاء، تماماً مثلما حدث مع حملته الانتخابية الرئاسية المتداعية، حيث عمد إلى تعيين وزراء كانوا حريصين على الثناء على الناتو في جلسات تثبيتهم في منصبهم. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، حيث سمح ترامب أيضاً لرئيسة الوزراء البريطانية الزائرة تريزا ماي بالتأكيد في تصريح لها على أنه«كان يؤيد الناتو بنسبة 100 في المئة».
بعد ذلك، وبنفس الطريقة المفاجئة، رأينا ترامب يتحول مرة ثانية لتأنيب الحلفاء، ووصف حلف الناتو بأنه حلف قد تجاوزه الزمن، وشن هجوما عليه، واتهامه بأنه مؤامرة ألمانية.
وكل خطبة عصماء كان يلقيها ترامب متهجماً على الناتو، كانت تتبعها جولة جديدة من الضجة في الصحافة، ولي ذراع من جانب الأوروبيين. مع كل ذلك لم يتغير شيئاً على الأرض. فالقوات الأميركية ظلت موجودة في أوروبا، كما ظلت الطائرات الحربية الأميركية، تشارك في القيام بدوريات حراسة فوق المجال الجوي للبلطيق، كما واصل الجنود الأميركيون مشاركتهم في التمرينات العسكرية للحلف. وعلى الرغم من العناوين الرئيسية للصحف والمجلات، فإن «الناتو» نجح بهدوء في البقاء، على الورق، باعتباره أقوى حلف عسكري في العالم.
في البداية، وبعيداً عن كسر الحلف، بدت تهديدات ترامب وكأنها تحفز الدول الأوروبية بطريقة فاقت في تأثيرها تملقات الرؤساء السابقين للولايات المتحدة، لتلك الدول.
فقد بدأ منسوب الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية الأعضاء في الحلف في الزحف لأعلى تدريجيا، حتى وصل إلى النسبة التي تلتزم بها الدول الأوروبية في هذا الخصوص، وهي 2 في المئة من ناتجها القومي الإجمالي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث أسس الأوروبيون آليات جديدة للتعاون الدفاعي ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، في مرحلة ما بعد الخروج البريطاني. وبناء على إصرار ترامب أعلن الناتو أن مكافحة الإرهاب هي مهمته الأولى، وشرع بالفعل في إجراء دراسات متعددة، لاكتشاف الطريقة التي يمكن بها للحلف الوفاء بهذه المهمة.
أميركا أولاً
مهمة «الناتو» الجديدة، لم تتغير كثيراً عن مهمته الأصلية من ناحية الموارد، كل ما هنالك أن الحلف توقف عن الحديث عن مهمته الأساسية الأصلية المتمثلة في الدفاع عن أوروبا ضد العدوان الروسي.
ولكن هذه التغيرات الشكلية، سمحت للرئيس ترامب أن يدّعي أنه نجح في إعادة صياغة حلف «الناتو»، بحيث يصبح متلائما مع فلسفته القائمة على مبدأ «أميركا أولا». ففي خطاب شهير ألقاه أمام نسخة طبق الأصل من برج إيفل مقامة في مدينة لاس فيجاس، أعلن ترامب أن الوضع قد تغير الآن، بحيث «لم تعد أميركا هي التي تعمل من أجل الحلف، وإنما أصبح الناتو هو الذي يعمل من أجل أميركا». كان ذلك يعني في الحقيقة أن ترامب لم يعد ينظر إلى الناتو على أنه حلف عتيق تجاوزه الزمن. وإنما، على العكس من ذلك تماما، أصبح الناتو حلفا يمثل بالنسبة له، رمزا لقدرته على إعادة تشكيل وصياغة تحالفات أميركا، بحيث تحقق مصلحتها في المقام الأول.
سيناريو افتراضي
ولكن، وفيما وراء الرمزيات، لم يكن من الواضح في الحقيقة أن الناتو كان يعمل لمصلحة أحد. فعندما صعدت روسيا من حرب الوكالة التي تشنها في اوكرانيا في منتصف عام 2017 (الكلام هنا بشكل افتراضي)، ناقش «الناتو» طريقة الرد على ذلك، ولكن نظراً لانشغال الولايات المتحدة ببناء جدار على حدودها الجنوبية مع المكسيك، فإن الحلف فشل في التوصل لأي إجماع على فرض عقوبات جديدة على روسيا، من أجل تعزيز وضع انتشار القوات في الشرق. وبناء عليه قررت بولندا، وفرنسا، وألمانيا أن ما يعرف بـ«آلية التعاون المنظم الدائم في المجال الأمني» وهي الآلية الجديدة للاتحاد الأوروبي، والتي يطلق عليها اختصارا«بيسكو»، كانت أكثر من مناسبة لهذا الغرض.
ضمن هذا الإطار، بدأت هذه الدول في التعاون مع معظم شركائها من الدول الأوروبية الأخرى، في استخدام هذه الآلية، لإرسال الأسلحة وتوفير التدريب لقوات الحكومة الأوكرانية. وأعلن «الناتو» حياده من الناحية الرسمية. وهو ما جعل آلة الدعاية الروسية تتحول بعيداً عن التنديد بالولايات المتحدة والحلف، وتتجه إلى توجيه هجاء حاد لألمانيا والاتحاد الأوروبي.
في أوائل عام 2018، (يفترض الكاتب) أن الفوضى سادت في شمال أفريقيا، وبدأ مئات الألوف من اللاجئين في الظهور على شواطئ اليونان وإيطاليا. مرة أخرى، فكر «الناتو» في القيام بعمل ما- وهو في هذه الحالة مهمة بحرية لاعتراض زوارق اللاجئين وإعادتها من حيث أتت، تعتبر من وجهة نظر الحلف مهمة إنسانية وإجراءات احترازية، مماثلة للمهام التي نفذها من قبل في البحر المتوسط عام 2016.
ولكن ما حدث هذه المرة، أن أعضاء الحلف من دول شرق أوروبا الذين اكتووا بالحيادية التي التزم بها «الناتو» في أوكرانيا، عارضوا مشاركة الحلف في هذا الجُهد. أما الولايات المتحدة، فلم تنحز لرأي دون الآخر، وفي النهاية لم يفعل الناتو شيئا.
تطورات متخيلة
بعد ذلك- ولازال الأمر مجرد افتراض- وفي يناير 2019، وكرد فعل على قرار الولايات المتحدة، الخاص بتفتيش سفن الشحن الإيرانية، التي تبحر في مياه الخليج العربي بحثاً عن شحنات أسلحة، لجأت طهران لتدبير انقلاب في بغداد. وقام النظام العراقي الذي يعتبر دمية إيرانية، بإصدار الأوامر بطرد القوات الأميركية من العراق، في الوقت الذي قامت فيه القوات العراقية- الإيرانية المشتركة بمهاجمة القوات التركية في إقليم كردستان العراق، وبدأت في تسليح عناصر التمرد الكردي في جنوب شرق تركيا. وعند ذلك طلبت تركيا المدعومة من قبل إدارة ترامب، من «الناتو» تفعيل مادته الخامسة، أي إعلان أن الإجراءات الإيرانية تمثل عدواناً ضد دولة عضو في الحلف، وهو ما يعطي تخويلاً للحلف للمسارعة بمد يد العون لتركيا.
رفضت معظم الدول الأوروبية الأعضاء في «الناتو»، بما في ذلك فرنسا، وألمانيا، وبولندا، وإيطاليا هذا الطلب رفضاً باتا. واللافت للنظر أن هذه الدول تحديداً، كانت من ضمن الدول التي استوفت شرط تخصيص نسبة 2 في المئة من دخلها القومي الإجمالي كالتزامات دفاعية، بموجب معاهدة الناتو، بل وقامت أيضاً بالمصادقة على تحويل مهمة الناتو الأصلية لمكافحة الإرهاب. ولكن تلك الدول رفضت، من جانب آخر، استخدام عضلاتها الدفاعية المكتشفة حديثاً، لمعارضة ما رأته الولايات المتحدة وتركيا «إرهاباً» إيرانيا في شرق العراق، وجنوب شرق تركيا.
أدى رفض الناتو الاستجابة لطلب تفعيل المادة الخامسة من معاهدته، إلى استقالة الأمين العام للحلف «ينس ستولتنبرج. وفي خطاب استقالته (المفترض) كتب«ستولتنبرج» إنه لم يكن هناك من الأسباب ما يدعوه للاستمرار في إدارة منظمة، لم- ولن- تستجب لاحتياجات دولها الأعضاء.
زمن«الناتو»..هل ولى؟
وافق الكثيرون في أوروبا- كما يتصور الكاتب- على أن زمن الناتو قد ولّى، ولكن الولايات المتحدة وبريطانيا، لم تكونا مستعدتين، مع ذلك للتسليم بهذه الحقيقة. وبدعم من الحكومة الائتلافية الألمانية، التي يقودها الحزب «الديمقراطي الاجتماعي»، وجد هؤلاء في مستشار ألمانيا السابق جيرهارد شرودر، مرشحاً توافقياً لشغل منصب الأمين العام للحزب، والاضطلاع بالتحدي الخاص بإعادة تعريف مهمة الحلف في عصر جديد، على الرغم من أن ما يعنيه ذلك – تحديداً- لم يكن واضحاً. من جانبها، وافقت روسيا على تعيين شرودر، وأعلنت أنها لم تعد تعارض انضمام جمهورية الجبل الأسود وصربيا للحلف. ولم يكتف الزعماء الروس بذلك، بل أعلنوا إنهم سيفكرون في الانضمام للحلف في نهاية المطاف، وهو إعلان أثنت عليه حكومة ترامب علناً.
ولكن الدعم الروسي، لم يساعد شرودر على عكس مسار هذا الاتجاه. وتعمدت الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف، التي كانت قد استشاطت غضباً جراء علاقة «الناتو» الجيدة بعدوهم في أوكرانيا، الاكتفاء بإرسال عدد ضئيل من ضباط الأركان لقيادة الاتحاد الأوروبي. أما الولايات المتحدة فقد كانت مستغرقة تماماً في شيئين(يفترضهما الكاتب، ويتوقع حدوثهما) هما: محاكمة «إريك ترامب» بتهمة التداول والمضاربة من داخل سوق الأوراق المالية بالاستفادة من معلومات سرية يخولها له موقعه، والثاني هو الحرب التركية – الإيرانية. وفي غالب الأحيان لم يكن الضباط الأميركيون، يحضرون اجتماعات «الناتو»، كما توقفت التمارين والمناورات العسكرية الواسعة النطاق، التي كان الحلف يجريها بشكل دوري. بل إن معظم الدول، توقفت بهدوء، عن مجرد المشاركة في ميزانية «الناتو» المشتركة، وحولت المخصصات التي كانت تخصصها لذلك الهدف، للإنفاق على الدوريات التي كانت تقوم بها من جانب واحد لإيقاف موجات الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، أو لأغراض التدريب العسكري في أوكرانيا.
تمكن شرودر، الذي كان يحاول جاهدا إبقاء أنوار المقر الرئيسي للحلف مضاءة، من الحصول على دعم من الولايات المتحدة وروسيا عام 2020، لنقل مقر الحزب إلى قاعدة عسكرية سابقة في بلغاريا، كان يؤمل أنها ستكون في نهاية المطاف المركز الجغرافي المناسب للحلف. لم يعارض الأوروبيون ذلك الإجراء، ولكن معظم الموظفين في حلف الناتو لم يأبهوا بالأمين العام هناك.
إنه التضامن، ياغبي!
باستعادة المسار الذي اتخذته الأحداث، يتضح لنا السبب الذي جعل الناتو يأفل نهائياً. هذا السبب هو أن الدول الأعضاء في الحلف، ركزت لعقود على ما كان يفرقها عن بعضها، وليس على ما كان يوحدها، كما يفترض، أنها انخرطت في مجادلات عنيفة حول تقاسم الأعباء، وكيفية الاستجابة للعدوان الروسي، أو الاضطرابات والفوضى في شمال أفريقيا. لا شك أن تلك كلها كانت مسائل ذات أهمية بالغة، ولكنها صرفت الأنظار عن الشيء الذي جعل «الناتو» حلفاً يتمتع بخصوصية مميزة وهو: الالتزام العميق لدوله الأعضاء بأمن بعضها. بالطبع لم يكن أعضاء «الناتو» متفقين دائماً على تحديد أولويات الحلف، ولكن الأخير أخذ بشكل جدي، كل التهديدات التي كانت كل دولة من دوله الأعضاء تعتبرها مسألة أمن قومي بالنسبة لها.
أداة وقت الأزمات
خلال الجزء الأكبر من عمره البالغ سبعين عاما، كان «الناتو» أبعد ما يكون عن مقولة إنه حلف تخطاه الزمن، بل كان في الحقيقة الأداة التي كان يلجأ إليها صُناع السياسة الأميركيون والأوروبيون في الأزمات المتعاقبة التي واجهتهم. فهؤلاء الزعماء لم يجدوا في «الناتو» قوة عسكرية فحسب، وإنما آلية لحشد الحلفاء، وتأمين أقصى قدر من الشرعية لأولوياتهم الدفاعية. وقد نجح الحلف في ذلك، لأن أعضاءه كانوا يعتقدون أن شركاءهم يقفون وراءهم، وأن التضامن كان هو جوهر الحلف.
أما عندما يقوم ترامب بوضع مصلحة أميركا أولاً، ويقرر عدم الالتفات لمشكلات الحلف، فإن النتيجة المحتمة هي أن «الناتو» الذي تأسس بالدرجة الأولى للعمل من أجل مصلحة أميركا، لن يصبح قادراً على ذلك ولا قادرا على العمل على الإطلاق. وعندما نعود بالذاكرة إلى سنوات إنجازات «الناتو»، فإن هذه المحصلة تمثل عاراً. ولكن ونظراً لأننا كنا مشغولين تماما بـ«عدم جدوى النظام العالمي الجديد»، فإنه لا أحد اهتم بما كان يحدث، كما يبدو.
عندما سئل «فان آخن»، حارس الأمن الذي أغلق بوابة المقر العام للحلف مؤخراً، عما فعله بمفتاح المبنى العتيد، قال «اعتقد أنه في الدرج الأعلى في مكتبي»، وأضاف: «لم يسألني أحد عنه».
جيريمي شابيرو*
عن دورية «فورين بوليسي»
*مدير الأبحاث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية وزميل رئيسي غير مقيم بمعهد بروكنجز.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوزسيرفس»