يالله.. ما أشهى الطعام الذي تعده والدتي، إنه أشهى طعام على وجه الأرض أو على الأقل هكذا أراه، كما يرى شاعر فلسطين قهوة أمه التي يشتاق إليها؛ لأنه يعتبرها أشهى قهوة في العالم، ربما لأن الأم تذكرنا دائما بالوطن.
غير أنني وجدت نفسي مرة أخرى أبحث عن المأكولات الشعبية المحلية خلال إجازة نهاية الأسبوع، وأنا أتنقل بين مدن الدولة، ويبدو أن هناك أزمة في طعامنا المحلي أو المطبخ الإماراتي التقليدي، فهو لا يلقى الاهتمام الذي يستحقه، فقد تاه وسط مزيج مطابخ العالم التي تلتقي على هذه الأرض الطيبة وهو أمر إيجابي من ناحية أنه يعكس تجانسا وتناغما لثقافات الشعوب على أرض الإمارات، لكنه من جهة أخرى يطغى بشدة على مطبخنا التقليدي الذي سينقرض قريبا لأن المواطنين أنفسهم بدأوا يعتمدون في طعامهم على أنواع متنوعة من مختلف المطابخ، وربما يكون للمطبخ الشامي أو اللبناني أسبقية وأفضلية لدى كثيرين، بل إن اللافت أن أطباقا عربية تمكنت من الهجرة خارج حدود العالم العربي لتصبح وجبات عالمية فتجدها في كل بقعة من بقاع الأرض لأنها أصبحت جزءاً من المطبخ العالمي، غير أننا بعيدون عن التأثير في مطابخ العالم ونبقى في مرحلة التأثر بالآخرين، وبشكل عام فقد تأثرنا بالمطبخ الهندي والفارسي، بل إن الوجبات الأميركية صارت جزءا من ثقافة أبنائنا الغذائية، لدرجة أن أصبحت الطعام الوحيد الذي تتقبله أجيال اليوم، فلم يعودوا يطيقون أصناف طعامنا المحلي.
وفي رحلات الصيف والشتاء إلى بلاد الله الواسعة كنت دائما أحرص على التعرف إلى ثقافات الشعوب عبر أطعمتهم التقليدية، فكما نحرص على السياحة المكانية أحرص على السياحة الطعامية أيضاً، وهكذا تذوقت طعاما فاخرا أحيانا وغريبا أحيانا أخرى، وتناولت طعام الملوك وطعام الرهبان الناسكين، وتجد شعوبا كثيرة تتفاخر بمطابخها وطعامها وعراقته أو تفرده لدرجة أن تنشأ حروب إعلامية واقتصادية على بعض أنواع الأكلات لأنهم يتنافسون من أجل نسبها إليهم، مع ذلك فقد كان دائما هناك عامل مشترك وراء ذلك وهو في الغالب الترويج السياحي.
وهناك مسابقة جميلة وشهية تقام في أبوظبي تتسابق فيها مطابخ وأكلات عالمية، لكن لم يتجرأ أحد أن يقدم وجبة من مطبخنا التقليدي لتشارك حتى ولو من باب المجاملة أو المعرفة أو الترويج.
غير أن مطبخنا رغم ندرته ورغم ما قد يلقاه من إقبال قد نراه من قبل بعض السياح أثناء المعارض أو في القرى التراثية، غير أن الاهتمام يبقى نادرا ومحصورا.
وإذا استمر الأمر كذلك فإن جزءاً كبيراً من ثقافتنا وعاداتنا سينقرض، لأن الأجيال القادمة لن تعرف حتى أسماء أطباقنا ومأكولاتنا الشعبية، وسينحصر وجودها في قرى التراث التي تقدم جوانب عدة من تراثنا العريق. 


amal.almehairi@admedia.ae