إذا تحدثنا عن السفر فماذا عسانا نقول؟ كيف نصف هذه الثقافة الإنسانية العظيمة الذاهبة بالإنسان نحو نفسه وذاته وآفاق معارف وبلدان وبشر؟ حتى هذه اللحظة لا أصدق أنه مضى علي عام كامل، اثنا عشر شهراً، 365 يوماً بالتمام والكمال لم أسافر فيها، لم أحزم حقائبي وأودع أحبتي وأمشي تلك الممرات في المطارات التي أعرفها والتي لا أعرفها، وأغادر مملوءة بنفس القلق الذي يهاجمني في كل مرة أقرر فيها السفر، مع أننا نتنقل في الحياة من سفر إلى سفر ومن ترحال إلى آخر، هكذا تمضي بنا الأيام حتى يحين وقت سفرنا الكبير. إن لكل إنسان الحق في أن يحدد لنفسه ما يريد من السفر، فربما ذهب كنوع من التغيير لا أكثر، تغيير الجو، الوجوه، البيئة، والخلاص من الروتين اليومي، فتلك في الحقيقة من فوائد السفر المعترف بها، وربما ذهب طلبا لطقس منعش وجميل، وربما ذهب ليكون أكثر حرية وانطلاقاً في حركته اليومية، في حديثه ولباسه وطعامه وعلاقاته. فالبعض يسافر لأن السفر فعل خلاص، أو فعل تحرر، أو فعل راحة يمنحنا تلك المساحة المطلوبة لحرية الحركة، وهي أسباب مفهومة ومحل تقدير. لكن الحرية لا تعني أن يقتصر السفر على التسكع في منطقة الفندق، أو السوق، أو السوبرماركت وكأنها معالم سياحية عظيمة، ففي بلاد الشرق والغرب التي ننفق الكثير لنصل إليها هناك الكثير مما يستحق المشاهدة والاستمتاع والمعرفة والتأمل ، وفي الحقيقة فإن التأمل واحد من تجليات السفر المهمة. في السفر، تتراكم لدينا علاقات متباينة بالمدن، تصير المدن كالأصدقاء والمعارف والنساء، ما من مدينة تشبه أخرى، كل مدينة لها وقعها وسجلها الخاص في داخلنا، كل مطار له بصمته ووهجه، مطار دبي من أجمل المطارات، ومطار بيروت من أكثرها بساطة، ومطار فرانكفورت مخيف، أما مطار أثينا فلا يترك أثراً في النفس كمطار اسطنبول تماماً. وكذلك المدن، هناك مدن تصير كأصدقائنا، تصير عزيزة على القلب وقريبة من النفس والشوق إليها لا ينتهي مهما كان عدد مرات زيارتنا لها، هناك مدن تخطر في البال كعصافير الدوري، ومدن تبرق كالضوء ومدن تضج كموسيقى الجاز ومدن تذكرك بسيمفونيات موزار. هناك مدن تشاكس قلبك لتذهب إليها شتاء تحتسي معها كوب قهوة وتعود كمن يواعد حبيباً في آخر الدنيا، وهناك مدن لا يتوقف مطرها الناعم في قاع روحك فيهزك الحنين اليها في كل لحظة. المدن إذا لم تكن امتداداً لنا، إذا لم تشبه شيئاً فينا، إذا لم نحبها منذ الخطوة الأولى في شوارعها وأزقتها، فهي ليست مدننا، لا تجبر نفسك على حب مدينة، آي مدينة، فالمدن تحبنا قبل أن نحبها، نحب أزقتها وبيوتها المتلاصقة، وشوارعها الضيقة والنظيفة، أصص الورد على شرفاتها ستائر الدانتيلا المعلقة على نوافذها الصغيرة، مطاعمها، رائحة الخبز الطازج تفوح من مقاهيها، رسومات الأطفال والملائكة على جدران منازلها القديمة، تحبنا الحوانيت ومحطات القطارات وأكشاك بيع التذكارات، موظفو الاستقبال الطيبون في الفنادق الصغيرة، الطيور التي تشاكسنا في صباحات الإفطار التي لا تنسى. إن المدن التي تحبنا ونحبها لا شك تشبهنا وتشكل امتداداً لشخصياتنا وتفضيلاتنا، لذا حين نعرف ذواتنا نعرف تماماً وجهات سفرنا. ayya-222@hotmail.com