ثارت مشكلة في الأيديولوجيات السياسية المعاصرة حول دور الدين في نشأة القومية. وبينما يرى القوميون الحرفيون أن القومية لها وجودها المستقل ومقوماتها الذاتية خارج الدين، كما هو الحال في «الكتاب الأخضر»، يرى آخرون أن الدين هو الدعامة الأولى للقومية كما في الحركة الصهيونية والجماعات السيخية. نشأ تياران في فهم القومية؛ الأول يجعلها علمانية صرفة، والثاني يجعلها مرتبطة بالدين. كما نشأت في الفكر الماركسي بين نزعتين؛ أممية تنكر القومية («يا عمال العالم اتحدوا»)، وماركسية قومية ترتبط بالذات القومية للشعوب كما هو الحال في الماركسية السلافية أو الإيطالية أو الفرنسية أو اشتراكيات العالم الثالث (أفريقية أو آسيوية أو عربية).
وتتميز مصر بوحدة الشخصية عبر التاريخ، أي وحدة السكان والدين والمجتمع والعادات والتقاليد والسلوك الوطني. ربما ساعدت جغرافيتها، أي الوادي والصحراء، على هذا الاتساع في الفضاء الجغرافي، والرحابة والسماحة والتواصل في السلوك الوطني. فمصر تجمع في ألوان البشرة السواد والسمار والبياض.. دون أن يكون أي منها عاملاً في التمايز الاجتماعي. يجتمع الأغنياء والفقراء في إطار التكامل الاجتماعي والترابط الأسري والإقليمي. ولا يجوز لأخ أن يخاصم أخيه أكثر من ثلاث ليال، وخيرهما من بدأ بالسلام. وكان الإيمان بالدين والوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي ركائز ثلاث للقومية العربية.
وعلى الرغم من توالي عدة ديانات على مصر، إلا أن جوهرها واحد، هو التوحيد الذي يعبّر عن وحدة الأرض والشعب والرؤية والسلطة والولاء والقدر والمصير. فقد قامت كل عقائدها على أساس واحد: وجود الله، وخلق العالم، وخلود النفس بعد الجزاء (ثواباً أم عقاباً). والدين فيها هو كل شيء؛ فهو مصدر الحضارة والعلم والفن والثقافة والتاريخ. هذا التجانس في الشخصية المصرية هو الذي جعل شعب مصر قائماً وصامداً في التاريخ أمام نزعات الانفصال بين الشمال والجنوب أو الخلاف المفتعل بين المسلمين والأقباط.
لذلك كان أحد أهم الأخطار التي ظلت تهدد مصر هو تفتيت الوطن، وفك العروة الوثقى باسم الطائفية، أو باسم الصراع الطبقي الماركسي (أغنياء وفقراء، ياقات بيضاء وياقات زرقاء، أصحاب رؤوس الأموال والعمال، إقطاعيون وفلاحون)، أو باسم القومية (قوميون وقطريون، وحدويون وانفصاليون)، أو باسم التاريخ (تقدميون ورجعيون، ليبراليون ومحافظون). لا يعني ذلك إلغاء الصراع الاجتماعي والسياسي وجدل التاريخ.. بل يعني فقط أن يتم ذلك في إطار الوحدة الوطنية والحوار السلمي، ومقارعة الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان.
إن أخطر ما يهدد الأمة العربية والإسلامية اليوم هو هذا الصراع العلني أو الضمني بين جناحي الأمة الرئيسيين؛ الاتجاه التأصيلي التقليدي والاتجاه التحديثي التقدمية. الأول يكفِّر الثاني، والثاني يخوّن الأول. وهو صراع أخذ شكلاً دموياً في أكثر من ساحة عربية؛ بل يُخشى أن يصل الأمر في بعض هذه الساحات أنه إذا فاز أحد التيارين باللعبة السياسية لا يجد أحداً يحكمه بعد أن ضحى الفريقان بالشعب ذاته، النساء والأطفال والعجزة. إنه صراع موجود، ظاهر أو مكبوت، في العديد من الأقطار العربية. قد ينفجر في أية لحظة إن لم تنشأ محاولات للحوار الوطني من أجل الوحدة الوطنية وتسييجها من أي مخاطر. إذا قويت مؤسسة الدولة في أي بلد انضم إليها الجناحان، لكنها إذا ضعفت وتحولت إلى كيان رخو، فإن الجناحان يضعفان وتبدأ تراودهما فكرة السيطرة على الدولة وهي في حالة ضعف تهيؤاً لوراثتها!
لكن مصر ظلت استثناءً في التاريخ من حيث صلابة الوحدة الوطنية ومتانة الدولة المركزية وقوتها التي تحميها دائماً من استيلاء أي تيار سياسي عليها.

 

*أستاذ الفلسفة -جامعة القاهرة