يحظى القطاع الصناعي بأهمية كبيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة بالنظر لدوره الحيوي في تنويع القاعدة الاقتصادية، ودعم الاستقرار المالي، ويتم تعزيز هذا الدور من خلال استراتيجيات وطنية طويلة المدى، واستثمارات وتمويل ضخم للصناعة، وبنية تحتية وتكنولوجيا متقدمة.وبشكل أكثر تفصيلاً، فإنه ومع تسارع التحولات العالمية، تبرز الصناعة كأداة استراتيجية لدعم الابتكار ورفع الإنتاجية، بما ينسجم مع رؤى دولة الإمارات بشأن تحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق، تتجه السياسات الوطنية إلى تمكين هذا القطاع وتوسيع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، بما يعزز التنافسية، ويؤسس لاقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
وفي إطار الجهود المتواصلة لترسيخ هذا التمكين، جاء اعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، إنشاء الصندوق الوطني للمرونة الصناعية بقيمة مليار درهم، لدعم توطين الصناعات الحيوية، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وفقاً للأحكام والشروط التي يتم تحديدها بالتنسيق مع الجهات المعنية.
ويحظى تأسيس الصندوق بأهمية كبيرة بالنظر إلى أنه سيُسهم في دعم توطين الصناعات الحيوية، بما يدفع في سبيل تحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، وتعزيز الجاهزية الصناعية الوطنية في المنتجات الحيوية، وترسيخ الأمن الاقتصادي، إضافة إلى توسعة التصنيع المحلي، وبناء مخزون استراتيجي للمنتجات الصناعية الحيوية، وتسريع تبني حلول الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتشغيل.
وفي إطار الجهود المتواصلة كذلك لتعزيز دور القطاع الصناعي، جاءت موافقة مجلس الوزراء على تعديل نطاق تطبيق برنامج القيمة الوطنية المضافة، بتحويل البرنامج من إطار تحفيزي إلى إطار إلزامي في قطاعات محدّدة، وتوسيع نطاق التطبيق ليشمل الجهات الحكومية الاتحادية، والشركات المملوكة للحكومة بنسبة 25% أو أكثر. ويهدف هذا القرار إلى توجيه الطلب الحكومي والمؤسسي نحو المنتجات الوطنية الحيوية ذات الأولوية، وإلزام القطاعات الأساسية بتطبيق البرنامج بما يعزز استمرارية الإمدادات، وتسخير الإنفاق الحكومي كأداة استراتيجية لتوطين الصناعات الأساسية، وتعزيز الأمن الصناعي الوطني.
كما أقرّ مجلس الوزراء سياسة تعزيز حضور المنتجات الوطنية في منافذ البيع التقليدية ومنصات البيع الرقمية، وتقوم هذه السياسة على رفع مستوى إدراك المستهلكين لأهمية تفضيل المنتجات المصنّعة في الإمارات عبر حملات توعوية ممنهجة، كما تسعى هذه السياسة إلى تحفيز الطلب المحلي بوصفه ركيزة أساسية لاستقرار السوق، وتعزيز أمن الإمدادات، من خلال توجيه الاستهلاك نحو المنتجات الوطنية ذات القدرة الإنتاجية القائمة والقابلة للتوسع.
وفي الإطار ذاته، أقرّ مجلس الوزراء إنشاء «لجنة جمع البيانات الصناعية» بوصفها أداة مؤسسية لتعزيز حوكمة البيانات في القطاع الصناعي ورفع كفاءتها الاستراتيجية. وستتولى اللجنة مهمة تحديد الأنشطة الصناعية والبيانات ذات الأولوية الوطنية، بما يضمن توجيه الجهود نحو البيانات الأكثر ارتباطاً بالتخطيط التنموي واتخاذ القرار، كما ستعمل اللجنة على تسريع تكامل وربط الأنظمة والسجلات الإلكترونية بين الجهات الاتحادية والمحلية المعنية، بهدف بناء منظومة بيانات موحدة وشاملة تعزز سهولة الوصول إلى المعلومات الصناعية، بما يدعم كفاءة التخطيط الصناعي، ويرفع جودة القرارات الاقتصادية.
وفي الواقع، فإنه لا يمكن النظر إلى هذه القرارات بمعزل عن الإطار الأشمل الذي تمثله الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة «مشروع 300 مليار»، إذ تعكس توجهاً ممنهجاً لإعادة هيكلة القاعدة الصناعية، وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني، من خلال رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 300 مليار درهم بحلول عام 2031. كما تركز هذه الاستراتيجية على تمكين الصناعات الوطنية، وتحفيز تدفقات الاستثمار الصناعي النوعي، وتسريع التحول نحو الصناعات المتقدمة القائمة على التكنولوجيا الحديثة، بما يعزز التنافسية، ويكرس التنويع الاقتصادي والاستدامة طويلة المدى.
ومما لا شك فيه أن هذه القرارات تؤكد رسوخ رؤية القيادة الرشيدة نحو بناء نموذج صناعي وطني يتسم بالمرونة والاستدامة، ويعتمد على توطين الصناعات الحيوية، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد. ومن شأن هذا التوجه أن يرفع تنافسية القطاع الصناعي، ويزيد من إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي، بما يدعم مسار التنويع الاقتصادي، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات، وتحقيق نمو مستدام.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


