تنتهي في يونيو المقبل مهلةُ الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع، وهي فرصة استثنائية أطلقتها الحكومة السورية لمن لديه كسبٌ غير مشروع ويرغب في إزالة آثاره وتبعاته القانونية، وذلك في إطار آلية عفو يتم تطبيقها ضمن مندرجات «العدالة الانتقالية والسلم الأهلي». وبعد انتهاء المهلة سيغلق باب «الفرصة القانونية»، لتبدأ الملاحقة القضائية الصارمة، ضمن استراتيجية شاملة لتجفيف منابع «اقتصاد النفوذ»، وإعادة بناء الثقة بالليرة السورية.
وفي إطار الجهود التي تبذلها الهيئةُ المركزيةُ للرقابة والتفتيش، للحفاظ على المال العام ومكافحة الفساد، تم حتى الآن تحصيل أكثر من عشرة مليارات ليرة سورية قديمة و22 مليون ليرة سورية جديدة، خلال الربع الأول من العام الجاري. وسجلت الإحصائيات الرسمية إنجازَ 291 قضية في هذا المجال. أما في سياق التسويات، فقد تمت تسوية أوضاع أحد رموز النظام السابق، وقد تضمنت نقلَ ملكية 32 شركة بينها شركاتُ صلب وإسمنت وحديد وطيران، وشركاتُ هندسة وأغذية وخرسانة، إضافة إلى فنادق ومطاعم ومؤسسات سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنكين سوريين على الأقل. وتم تحويل كامل هذه الأصول والمبالغ المحصَّلة إلى صندوق التنمية، لإدارتها واستثمارها بما يخدم الاقتصاد الوطني.
ومع بدء محاكمة رموز النظام السابق، ومعظمهم تجري مقاضاتُه غيابياً، أمام محكمة الجنايات في دمشق، حيث عُقدت الجلسةُ الأولى الأحد الماضي، وستعقد الجلسة الثانية في يوم العاشر من شهر مايو الجاري، تَفتح الحكومةُ السوريةُ ملفاتِ الثروات التي تشكّلت في ظل «اقتصاد النفوذ» خلال خمسة عقود الماضية من تاريخ البلاد، وذلك عبر الشروع في تطبيق آليات استرداد الأصول والتسويات المالية. وهذا بطبيعة الحال رغم التحديات المرتبطة بتفكيك شبكات «الشركاء الصوريين». لكن المسؤولين السوريين يؤكدون على أهمية هذه العملية في إعادة بناء الثقة باقتصاد بلادهم.
ولا شك في أنها مهمة دونها صعوباتٌ كثيرةٌ، لاسيما أن ثروات المشتبه فيهم موزعةٌ في بلدان وقارات عدة، وبأرقام مجهولة، وتختلف أحجامها باختلاف مصادرها. وفي حين قدّرت وزارة الخارجية الأميركية ثروات الرئيس السوري السابق وعائلته بأكثر من 12 مليار دولار، تشير تقديراتٌ أخرى إلى أن هذه الثروات قد تصل قيمتها 122 مليار دولار، أي ما يعادل ضعفَي حجم الاقتصاد السوري نفسه. وتأتي الإجراءات القضائية المالية الحالية في سياق مهمة «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع»، وهي المهمة التي حددها القرارُ الرئاسي رقم «13» للعام 2025، وتركز على التحقيق في حالات الكسب غير المشروع والعمل على استرداد الأموال والأصول الناتجة عنه. إلا أن هذه المهمة القانونية القضائية تحمل في طياتها آثاراً اقتصاديةً أوسع، فالمساهمة في «تنظيف البيئة الاقتصادية السورية» من الأساليب التي سادت خلال العقود الماضية، والتي كانت تقوم على احتكار النفوذ الاقتصادي داخل دوائر مقرّبة، تعتبر الخطوةَ الأولى نحو الإصلاح.
ويرى رئيس اللجنة أن بداية عملها جاءت في سياق استثنائي، إذ كان من الضروري إنشاء إطار مؤسسي قادر على التحوط السريع على الأصول الاقتصادية الكبرى، ومنع تهريبها أو نقل ملكيتها، قبل دراستها قانونياً ومالياً.
وعندما تتم معالجة هذا الإرث، يتوقع أن تُصبح السوق السورية أكثر شفافيةً وأكثر ملاءمةً للاستثمار الذي لا يتحقق دونه أيُّ نموٍ اقتصادي، وهو ما يشكل بحد ذاته عامل جذب للاستثمار الأجنبي بصفة خاصة، لأن محاسبة الفساد الاقتصادي، وعلى رأسه الكسب غير المشروع، ليست مجرد مسألة قانونية، بل هي أيضاً أحد أهم محفزات الاستثمار الداخلي والخارجي، ومن ثم نمو الاقتصاد الوطني وتنشيط محركاته.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


