إيهاب الملاح

لا تقاس حياة العظماء وأصحاب الموهبة والأثر بطول الحياة أو قصرها وإنما تقاس بأصالة المنجَز وقيمة الإنتاج، خاصة إذا كان في دائرة الإبداع الإنساني والعبقرية الفردية. ومن هؤلاء الشاعر المصري المرموق، أحمد زكي أبو شادي أحد رواد الشعر العربي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين، فله مكانته العالية في حركة وتطور الشعر العربي، كما أن له أيضاً مكانته الرفيعة بين الرواد المجددين في شعر النهضة الحديثة، ولا أبالغ إن قلت في مجمل حركة النهضة الأدبية والثقافية العربية بشكل عام. 

أحمد زكي أبو شادي (1892-1955) هو رائد جماعة أبوللو الشعرية التي بلغت شهرتها الآفاق، ورئيس تحرير أول مجلة خالصة للشعر ونقده هي مجلة «أبوللو» التي احتلت مكانها المتميز بين أبرز دورياتنا الأدبية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، وأحد الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس طيلة رحلة حياة وسيرة امتدت 63 سنة. ولأصالة الموهبة وعمق الثقافة واتساع الرؤية، استطاع أن يحفر اسمه بين عظماء جيله وعباقرة زمنه، وصار علَماً فرداً على تيار شعري عربي «تجديدي» لعب دوراً مهماً في مسيرة الشعر العربي الحديث، والانتقال به من طور إلى طور ومن مرحلة إلى أخرى.
وعنه، وعن دوره الكبير في ريادة حركة التجديد الشعري، يقول الناقد الدكتور علي عشري زايد: «لا يستطيع المؤرخ أن يتجاهل دور أبي شادي في نهضة الشعر العربي الحديث، وبخاصة دوره التجديدي، بصفته رأس مدرسة مزجت بين الذاتي والموضوعي في الإبداع الشعري، وعبّرت عن تلاقي الثقافات، وعن التحولات الفنية الأساسية في مجرى النهضة الشعرية المعاصرة».
وكذلك يقول مؤرخ الأدب والشعر العربي الحديث، الناقد محمد مندور، في محاضراته عن الشعر العربي بعد أحمد شوقي: «أعلن الشاعر أحمد زكي أبو شادي منذ ديوانه الأول (أنداء الفجر) أنه قد تتلمذ على مطران، كما أعلن الاعتراف نفسه عدد من كبار جماعة أبوللو التي تأسست في سنة 1932 وأصدرت مجلتها الشعرية الخالدة التي ظلت تصدر حتى آخر سنة 1934 متخصصة في نشر الشعر الجديد ونقده، ومنهم الشاعر الوجداني الكبير الدكتور إبراهيم ناجي».
ولد أحمد زكي أبو شادي في التاسع من فبراير عام 1892، وتلقى تعليماً أساسياً مدنياً، ثم التحق بكلية الطب، ولكنه لم يكمل تعليمه فيها، نظراً لظروف صحية (ستلازمه وتؤثر عليه تأثيراً عميقاً في حياته كلها فيما بعد). وقد هيأت له ظروف حياته، وبخاصة إمكانات والده وعلاقاته، فرصة اقتناء عيون الكتب والدواوين بالعربية والإنجليزية، والاتصال بأعلام شعراء عصره، ومنهم أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران، فتعمقت معرفته بالأدب واللغة، وتكونت ذائقته، وأرهفت حواسه، بالتوازي مع ثقافة واسعة وعميقة شكلتها روافد عدة ومؤثرات متداخلة بين العربية والإنجليزية.
ثم رحل أبو شادي إلى إنجلترا لاستكمال تعليمه، بعد انقطاعه، في كلية الطب. وهناك أقام عشرة أعوام كاملة (1912-1922) نال خلالها إجازته الطبية سنة 1915، واشتغل بالطب فترة قصيرة، تحول بعدها إلى الاشتغال بتربية النحل!
واتسعت دائرة عمله في هذا المجال، فأسس نادياً دولياً للنحل، كما أنشأ مجلة «عالم النحل»، وحقق شهرة واسعة في هذا الجانب. وكذلك كان له في إنجلترا نشاط أدبي واسع، فأسس «جمعية آداب اللغة العربية»، وأسهم في تأسيس النادي المصري، وعاش مغترفاً من ينابيع المعرفة التي أتاحتها له الإقامة في إنجلترا، وتزوج من سيدة إنجليزية. وقد جعله كل ذلك يعد إنجلترا وطنه الثاني. وكان في أثناء إقامته في إنجلترا على صلة دائمة بالحياة الأدبية في مصر، فكان يراسل صحف «المؤيد»، و«الشعب»، و«الأهالي»، و«المقتطف»، و«الهلال» وينشر فيها قصائده ومقالاته. وحين عاد إلى مصر لم يهمل هوايته الأولى في تربية النحل، فأسس «نادي النحل المصري» سنة 1923، ولكن إسهامه في الحياة الأدبية غلب على كل هواياته -ومنها تربية الدجاج، والصناعة الزراعية- فأسس «ندوة الثقافة»، و«رابطة الأدب الجديد»، و«جماعة الأدب المصري»، ولكن إنجازه الأدبي الأكبر كان إسهامه في تأسيس «جمعية أبوللو» التي أثمرت المجلة الأدبية الشهيرة مجلة «أبوللو» ذات الأثر البعيد في الشعر العربي الحديث.
وعلى رغم أثر أبي شادي الكبير والمؤثر في تحريك الحياة الأدبية ودفعها إلى النشاط والحيوية، وتتابع ظهور دواوينه الشعرية في تلك الفترة، فإن ظروفاً معاكسة في الحياة العامة قلَّصت من طموحه، فاضطر إلى إيقاف مجلته الأثيرة «أبوللو»، والانتقال إلى الإسكندرية التي مكنته من إصدار بعض المجلات الأقل تأثيراً كمجلة «أدبي»، ومجلة «الإمام»، كما أتاحت له وظيفة أستاذ في كلية الطب، وأسندت إليه وكالة الكلية.
ولأسباب كثيرة، أصاب الإحباط شاعرنا الكبير، وكان الإحساس الدفين بالتجني على دوره الريادي والتجديدي في الشعر العربي، بالإضافة إلى إحساسه أيضاً بالغبن والتهميش في الحياة الأدبية والثقافية في ذلك الوقت، هو الذي دفع به، بعد صنوف من اليأس الشديد والإحباط البالغ، إلى الهجرة النهائية من مصر إلى الولايات المتحدة مع أسرته‏.‏ وهكذا وبرحيل زوجته عن الدنيا سنة 1946 بدأ أبو شادي يعيد التفكير في تحقيق الحلم القديم بالهجرة والذي كان يراوده منذ عام 1935، وقد نفذه فعلاً بالرحيل عن مصر إلى أميركا في 14 أبريل سنة 1946.
وتفاصيل هذه الفترة الغامضة في حياة أحمد زكي أبو شادي جلاها لنا المؤرخ الثقافي المخضرم وديع فلسطين في كتابه المهم «وديع فلسطين متحدثاً عن أعلام عصره»، حيث كتب يقول: «في عدد ‏22‏ أبريل‏ 1946‏ قرأت في مجلة الرسالة المصرية لصاحبها أحمد حسن الزيات ‏(1885‏-1968)‏ رسالة وداعية موجهة من أبي شادي كتبها عشية هجرته‏، وأرفق بها مرثية لزوجته الإنجليزية التي كان مرضها العضال من أقوى دوافع الهجرة تلمساً لأسباب العلاج المتقدم في الولايات المتحدة. ‏وقد أدرجت المرثية بمقدمة جاء فيها: سافر إلى نيويورك يوم الأحد الماضي الدكتور أحمد زكي أبو شادي ليقيم بها هو وأسرته‏، ‏وقد أرسل إلينا عشية سفره هذه القصيدة ومعها كتاب يقول فيه‏:‏ كان بودي أن أزورك مودعاً قبيل مبارحة وطني الذي لم تسمح لي الظروف بخدمته كما أود‏، ‏ولكن أحوالي الخاصة لم تمكني من مغادرة الإسكندرية ‏(‏التي كان يقيم فيها‏)‏ لهذا القصد‏، ‏وسأبحر منها مع أولادي على الباخرة فلكانيا يوم الأحد ‏14 أبريل، وعلى فمي بيت المتنبي‏:‏
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
   ألا تفارقهم فالراحلون همُ
ومن المفارقات الصارخة أنه حين تبرأ أبوماضي من أبي شادي‏، ‏انتهزت أكاديمية الشعراء الأميركيين وجمعية الشعر الأميركية فرصة ظهور ديوان «من السماء» لأبي شادي -وهو الديوان الوحيد الذي ظهر له في الولايات المتحدة- فأقامتا حفلاً جامعاً في فندق والدورف أستوريا يوم ‏30‏ أبريل 1950‏ تكريماً للشاعر‏، ‏ وصفه أبو شادي بقوله‏:‏ «اشتركت فيه الحكومات العربية وجامعات شتى وأساتذة أعلام ومستشرقون فطاحل من أوروبا وأميركا ورجال الصحافة وصفوة أدباء المهجر ومراسلون بارزون من أقطار شتى إلا مصر العزيزة التي أحببتها الحب كله‏، ‏وخدمتها بجوارحي طوال حياتي‏، ‏وما زلت أخدمها بدافع من ضميري وحده»‏!‏
وفي الولايات المتحدة اتصل أبو شادي بأدباء المهجر، ونشر أشعاراً ومقالات في جرائد «الهدى» و«الإصلاح»، و«السائح»، كما أذاع أحاديث في الإذاعة من «صوت أميركا»، وقدمت له فيها «قصائد» و«تمثيليات»، وزاد على ذلك فأسس «رابطة منيرفا» على غرار «جمعية أبوللو»، وكتب مجموعات شعرية بالعربية والإنجليزية، ومارس هوايته في الرسم على نحو واسع. وقد كان أبو شادي شاعراً غزير الإنتاج، إذ توالت دواوينه الشعرية منذ سنة 1910 حتى وفاته سنة 1955، ومن أهم هذه الدواوين:
«أنداء الفجر» (1910)، و«زينب» (1924)، و«مصريات» (1924)، و«أنين ورنين» (1925)، و«الشفق الباكي»(1927)، و«أشعة وظلال» (1931)، و«الشعلة» (1932)، و«أطياف الربيع» (1933)، و«الطائر الثاني» (1934)، و«فوق العباب» (1935)، و«عودة الراعي» (1942). وعلاوة على ذلك، فقد كتب قصائد مفردة طويلة ضمنها دواوين مفردة، كما كتب قصصاً شعرياً، وأوبرات، وترجمات.