محمد نجيم (الرباط)
يستلهم الفنان التشكيلي والروائي المغربي «ماحي بين بين» عوالمه الفنية من واقع الإنسان المهزوم الذي يعيش قلق العصر وإكراهات اليومي وشظايا الذات في ظل عالم متحول ومُتسارع، لوحات تشير إلى جراحات الذات وانشطار الهوية واستحالة تحقيق الأحلام والأمنيات، سرديات تعبر عن ذات مثقلة بالأغلال والمكابدات التي تحيل الإنسان إلى قطعة من المشاعر المثقلة بالمتضادات والتناقضات، لكنها لوحات تتميز بجماليتها وبالتوظيف المحكم للألوان والخطوط والمساحات وفق نسقٍ ورؤية بصرية تنسجم فيه مختلف مكونات الأشكال والبؤر الجمالية، التي تبسط الأشكال بإحساس بصري وشاعري تتمَوسَق فيه الألوان وفق ضوابط صارمة، تُشعر المتلقي بأنه أمام أعمال فنية حبلى بثراء من المفردات والرموز المستمدة من ثقافة المغرب، كما نجد أن لوحات هذا الفنان تكتسي ألوان ورائحة التربة المغربية وتتلبس بسطوع شمسه ما يمنح أعماله هوية مغربية خالصة.
ويأتي معرضه الجديد المنظم في مدينة الدار البيضاء، بعد معارضه الكثيرة المنظمة في عواصم العالم والمدن الأوروبية، باريس، روما، زيوريخ، نيويورك، لندن، واشنطن، دبي، ميامي وعواصم أخرى. هنا نصادف ذلك الإنسان المسجون في صندوق مربع الشكل معبراً عن حالة الإنسان المتشظي والمقهور والمهزوم والمنغلق على ذاته في صمت موحش.
يُهيمن حضور الجسد المُعلق على المنجز البصري للفنان ماحي بين بين، فالجسد كما يقول الناقد محمد بنعزيز، كيان الفرد وجغرافيته، ويجري رسم الجسد باقتصاد في الخطوط، اقتصاد في الألوان… هناك نحت وحذف… وهذا يجعل اللوحة تتشكل من أقل العناصر الممكنة لرسم الأشكال وتوصيل الدلالة للمشاهد.
يقول محمد بنعزيز: رأيت في المعرض تماثيل عبارة عن تجميع برونز وحبال وحديد مربع ومستطيل ودائري. لقد درس ماحي بين بين الرياضيات ودرّسها، ويظهر هذا في لوحاته. يقرب المنظور الفن من الرياضيات. فالشخصيات محتجزة في دوائر ومربعات ومستطيلات.
وتظهر الشخصيات مقاومة للتخلص من هذه الأشكال الهندسية وذلك بإخراج القدم أو الرأس من الإطار… رأيت عناقاً أشبه باشتباك جسدين، جسد يحاول إنقاذ آخر من عنق زجاجة، أيد على الأوجه لتعكس أحاسيس مختلطة، أجساد تدور في دوامة لا تظهر بدايتها من نهايتها.
في لوحات بين بين أجساد مزدحمة تتشابك في وضع بشري صعب، ترفع أيديها في وجوه بعضها البعض… وفي بعض اللوحات أجساد مرسومة بأقل عدد من الخطوط، مما يجعلها تبدو كأشباح… في بعض اللوحات رسم لم يبلغ مرحلة اللوحة التشكيلية، إنه رسم دون تلوين. هذا أساس لكل لوحة..
تأتي لوحات الفنان ماحي بين بين متحررة من الإطار، لأن الكائنات التي توجد بداخله مختنقة وتريد أن تتنفس، وهذا انعكاس لواقعنا ولما نعيشه اليوم. نريد نحن أن نخرج من الحصار الذي نعيشه بسبب الوباء». كما صرح الفنان في معرضه.