علي عبد الرحمن
في زمنٍ تُعاد فيه صياغة مفهوم البطولة داخل السينما العالمية، لم تعد الشخصية البطولية تُبنى على أساس الفعل الخارق أو الانتصار الحاسم، بل على أساس التصدّع الداخلي، وعلى سؤال الوعي حين ينقلب على ذاته. يجيء فيلم «Marty Supreme» بوصفه انزياحاً عن القوالب السردية المألوفة نحو فضاء أكثر التباساً، حيث تتجاور النفس المأزومة مع التأمل الفلسفي، وتتقاطع الحكاية مع تفكيكها؛ ويتحوّل البطل من فاعل يغيّر العالم إلى كائن مأخوذ بسؤال أكثر قسوة: «لماذا أنا؟» بدلاً من «ماذا أفعل؟».
نحن أمام «مارتي»، لا كبطل يسعى إلى مجد، بل ككائن يعيش داخل شرخ دائم بين صورتين: ذات تسعى إلى السيطرة، وأخرى ترتعب من هذه السيطرة حين تتحول إلى قدر داخلي لا يمكن الإفلات منه.
ولا يمكن فصل هذا التشظي عن السياق الزمني الذي يتحرك فيه الفيلم، إذ تدور أحداثه في خمسينيات القرن الماضي، وهي حقبة تُعلي من فكرة الاستقرار والنموذج الواحد للنجاح، وتُضيق في المقابل مساحة القلق والتردد، حتى لا تبدو أزمة «مارتي» مجرد اضطراب ذاتي، بل هي صدام خفي بين وعي متشظ وزمن يطالب بالتماسك، بين فرد يعيش داخل احتمالات مفتوحة، ومجتمع لا يعترف إلا بالمسارات الواضحة والمحددة، وهكذا يتضاعف ثقل التجربة، لأن ما يعيشه لا يجد له صدى في العالم من حوله، بل يُقابل بصمت يعمّق عزلته.
حالة ذهنية مضطربة
منذ لحظاته الأولى، لا ينطلق الفيلم من حدث واضح، بل من حالة ذهنية مضطربة، كأننا أمام وعي مستيقظ أكثر مما ينبغي، يرى العالم كشبكة متشابكة من العلامات التي تحتاج دائماً إلى تأويل إضافي، لا يقدّم «Marty Supreme» نفسه كحكاية صعود، بل كرحلة داخل عقل يرفض الاستقرار، ويحوّل كل لحظة إلى سؤال جديد، وكل إجابة إلى مدخل لشكّ آخر أكثر عمقاً.
في مركز هذا العالم يقف «مارتي موزر»، الذي يجسّده Timothée Chalamet، بوصفه كائناً لا يعيش الطموح كخيار، بل كقوة داخلية قهرية، ليس مشروع نجاح، بل مشروع قلق مستمر، كل محاولة للتقدّم لا تقوده إلى تماسك أكبر، بل إلى اهتزاز أعمق، وكأن الحركة إلى الأمام تفتح فجوة إضافية في الداخل بدل أن تغلقها.
الفيلم لا يتعامل مع الطموح كقيمة أخلاقية، بل كقانون مادي ضاغط، أشبه بجاذبية داخلية لا يمكن الإفلات منها، كون «مارتي»، لا يختار السعي، بل يُساق إليه.
علاقة مراقبة
منذ البداية أيضاً، تتضح علاقة «مارتي» بالعالم بوصفها علاقة مراقبة لا مشاركة، فهو لا يعيش التجربة مباشرة، بل يراقب نفسه وهو يعيشها، وهذا الانقسام بين «الذات الفاعلة» و«الذات المراقِبة» لا يخلق مسافة تأملية مريحة، بل يولّد طبقة إضافية من العبء، وكل شعور يتحول إلى مادة تحليل، وكل لحظة تُستنزف داخل وعي يحاول تفسيرها بدل أن يختبرها.
هنا يصبح الوعي ذاته مأزقاً قائماً بذاته، إذ يدرك أكثر مما يحتمل، أو يجد نفسه أمام إدراكات تجعل العيش أكثر تعقيداً مما ينبغي، والتفاصيل الصغيرة تتحول إلى إشارات، والصدف إلى أنماط، والعالم إلى نصّ مفتوح على قراءة مفرطة لا تنتهي، ومع هذا الإفراط في التأويل، يدخل في حالة شلل داخلي، حيث كل قرار يبدو ناقصاً لأنه يُقصي احتمالات أخرى لا تقل إقناعاً داخل ذهنه. من هنا تتبلور إحدى أهم أفكار الفيلم: أن المعرفة ليست ضمانة للحرية، بل قد تتحول إلى شكل من العجز. فكلما اتسعت قدرة «مارتي» على الفهم، تضاعفت صعوبة العيش داخل العالم.
البناء النفسي لا يبقى محصوراً داخل الشخصية، بل يجد امتداده الطبيعي في الأسلوب البصري للمخرج Josh Safdie، فالكاميرا لا تتعامل مع «مارتي» بوصفه موضوعاً للمراقبة من الخارج، بل ككائن محاصر داخل الإطار نفسه، والاقتراب المستمر من وجهه وجسده لا يهدف إلى الشرح أو التوضيح، بل إلى خلق إحساس بالاختناق، وكأن المسافة بين المشاهد وقلق الشخصية تتلاشى تدريجياً.
توتر وتكرار
وعلى مستوى الإيقاع، يتحرك الفيلم خارج فكرة الاستقرار التقليدي، من دون أن يتحول إلى فوضى كاملة، إنه يرفض الخطّ المستقيم في السرد، لأن حياة الشخصية نفسها لا تسير في خط واضح، كما أن التكرار لا يمكن اعتباره خللاً في الحكاية، بل هو انعكاس مباشر لطبيعة نفسية لا تتعلم من التجربة بشكل نهائي، بل تعيد الدخول فيها كل مرة وكأنها تحدث للمرة الأولى، من دون الوصول إلى يقين أو حسم.
ضمن هذا الإطار، تصبح علاقات «مارتي» بالآخرين امتداداً مباشراً لأزمته الداخلية، فالآخر لا يظهر كشريك حقيقي في التجربة، بل كمرآة تعكس اضطراب الذات وتناقضاتها، وكل علاقة تطلب منه قدراً من الثبات والوضوح، لذلك لا تنهار علاقاته بسبب صراع خارجي واضح، بل لأنها تصطدم بعجز داخلي عن تقديم تعريف مستقر للذات يمكن أن تُبنى عليه علاقة متوازنة مع الآخرين.
ولا يظهر الحب كخلاص أو مساحة للنجاة، بل كاختبار يتكرر فيه الفشل، كل اقتراب من علاقة عاطفية يفرض شرطاً غير معلن: أن يكون الإنسان ثابتاً ومحدداً في صورته أمام الآخر، ولكن «مارتي» يعيش حالة تحول مستمر. لذلك حتى الرغبة في القرب تتحول إلى مصدر قلق، لأن القرب نفسه يعني تثبيت هوية واحدة، وهو ما يهدد إحساسه بذاته بدل أن يمنحه الأمان.
حدث لا يحدث
على مستوى الأداء، يقدّم Timothée Chalamet شخصية مشدودة من الداخل، تعتمد على التوتر المكبوت أكثر من الانفعال الظاهر، والجسد يبدو وكأنه في حالة استعداد دائم لحدث لا يحدث، واهتزاز خفيف مستمر، يوحي بأن الشخصية لا تستقر داخل جلدها، بل تعيش على حافة انفصال دائم عن نفسها.
بصرياً، يخلق الفيلم عالماً مألوفاً لكنه غير مطمئن، حيث الأماكن ليست غريبة، لكنها بلا دفء، وهناك برودة عامة في التكوين البصري، ليست جمالية فحسب، بل دلالية أيضاً، كأن العالم يعكس عزلة الشخصية بدل أن يحتويها، كما لا توجد نقاط ارتكاز مستقرة؛ بل فضاء يتحرك باستمرار من دون أن يمنح شعوراً بالاستقرار.
أما الصوت، فيعمل بالمنطق ذاته، لا موسيقى تفسيرية، بل أصوات يومية تتسلل كجزء من التوتر العام: خطوات، تنفس، وضجيج غير محدد المصدر، هذا الاستخدام يجعل التجربة أقرب إلى وعي داخلي مغلق، لا إلى سرد خارجي تقليدي، كما أن الصمت هنا ليس فراغاً، بل امتلاءً غير مرئي.
تأمل فلسفي
مع تقدم الفيلم، يتضح أن ما يُعرض ليس قصة نجاح أو فشل، بل تفكيك لفكرة النجاح نفسها، «مارتي» لا يصل إلى لحظة حسم، لأنه لا يمتلك تعريفاً ثابتاً لما يعنيه الوصول، وكل اقتراب من هدف يعيد تعريف الهدف ذاته، فتتحول حياته إلى حلقة مستمرة من إعادة التقييم، لا إلى مسار يتجه نحو نهاية.
في العمق، يتحول الفيلم إلى تأمل فلسفي ونفسي في طبيعة الطموح بوصفه قوة وجودية لا اجتماعية فقط، قوة تدفع الإنسان إلى تجاوز حدوده باستمرار، حتى يفقد تدريجياً القدرة على إدراك لحظة التوقف أو معنى الاكتفاء، ومع تقدّم السرد الدرامي لأحداث الفيلم، تتجلى مفارقة حادة، كلما ازداد النجاح في العالم الخارجي، اتسعت في المقابل المسافة الداخلية عن الذات، وكأن الإنجاز لا يقرب الإنسان من نفسه بل يبعده عنها أكثر، كما أن الفيلم لا يقدّم إجابة أو خلاصاً، بل يترك هذا التناقض مفتوحاً بوصفه جزءاً من طبيعة الوجود الإنساني ذاته.
وفي النهاية، لا يعود «Marty Supreme» مجرد حكاية تُروى وتنتهي، بل تجربة ذهنية تُستمر وتُستشعر، إنه فيلم عن الوعي حين يتجاوز قدرة صاحبه على الاحتمال، وعن الطموح حين يتحول من دافع للحياة إلى عبء وجودي، وعن الذات حين تكتشف أن معرفتها بنفسها قد تكون الشكل الأكثر تعقيداً من الضياع؛ ليبقى ليس كشخصية مغلقة، بل كاحتمال إنساني مفتوح: كائن يواصل الركض لا لأنه يعرف وجهته، بل لأنه فقد القدرة على التوقف والسؤال عمّا إذا كانت هناك وجهة أصلاً.