د. شريف عرفة
قالوا قديماً، إن الصديق وقت الضيق.. فلكل واحد منا شخص مقرب يشد أزره ويسري عنه.. ويقضي معه وقتاً ممتعاً ينسيه مشاكله.. ويرى الباحثون أن الدعم الاجتماعي ضرورة تساعد في تحسين صحتنا النفسية، إذ ليس مهماً عدد الأصدقاء، بل الأهم جودة هذه العلاقات.. إذ إن علاقة واحدة قوية أعظم تأثيراً من عشرات العلاقات السطحية.
يحافظ الصديق الجيد على صورتنا الإيجابية أمام أنفسنا.. ويبث الطمأنينة والتشجيع والتقبل، ما يؤدي لمستويات أعلى من السعادة والرضا عن الحياة، فهل تحرص على تعزيز علاقة الصداقة في حياتك، أم تلهيك عنها مشاغل الحياة؟
إذا كانت الصداقة مهمة لهذا الحد.. كيف نقويها؟ وماذا يجعل بعض الأصدقاء أفضل من غيرهم؟
القوى الإنسانية
حسب دراسات علم النفس الإيجابي، فإن لكل واحد منا مجموعة من الصفات الحسنة التي تسمى القوى الشخصية، مثل حب التعلم وضبط النفس والطيبة... إلخ. وتقول الأدلة إنه كلما التزم الشخص بنقاط قوته الشخصية في حياته اليومية، كلما زاد نجاحه وسعادته. لكن، ما علاقة هذا بالصداقة؟
دراسة جديدة بحثت في القوى الإنسانية من زاوية غير معتادة.. وهي معرفة القوى التي تساعد الشخص على التمتع بصداقات أفضل.. أي ما هي الصفات التي يتمتع بها أولئك الذين لديهم صداقات قوية في حياتهم؟
في دراسة يونانية استطلعت آراء أكثر من 3000 شخص، أجراها باحثون من جامعة بانتيون وتحمل عنوان «قوة الشخصية كمتنبئ لنوعية صداقة الكبار ورضاهم: الآثار المترتبة على التدخلات النفسية»، نشرت في الدورية الأوروبية لعلم النفس الإرشادي.
وجدوا أن الأشخاص الذين لديهم علاقات صداقة قوية، كانوا يتمتعون بكل من:
1- الصدق:
في اللغة العربية «الصداقة» مشتقة من «الصدق» لأنه شرط أساسي لها فيما يبدو. فهناك أشخاص مدعون لا يظهرون ذواتهم الحقيقية طلباً للاندماج وسط مجموعة من الناس. هذه ليست صداقة. الصداقة هي أن تتسم بالأمانة وتكون على طبيعتك وتظهر ذاتك الحقيقية.. وهو ما يضمن لك أن تصادق من يشبهك ويتقبلك كما أنت.
أن تكون حقيقياً، فإن هذا يزيد الرضا عن الصداقة ويزيد فرص اختيار أصدقاء أوفياء، لا أدعياء، كما يزيد من الفوائد طويلة الأمد للعلاقة مثل زيادة الثقة المتبادلة.
2- الفضول:
من يتحلون بهذه الصفة لديهم رغبة قوية في معرفة شيء ما أو تعلمه.. ما علاقة هذا بالصداقة؟
الفضول الاجتماعي، يدفع الشخص للاهتمام بأخبار أصدقائه والسؤال عنهم ومتابعة أحوالهم.. هذا - في حدوده الاجتماعية اللائقة - يحقق أكثر من فائدة.. إذ يخلق الكثير من المحادثات الشائقة، ويشعرهم أنك مهم بشأنهم وتحب الاستماع لهم، ما يعطي شعوراً بالانتماء والحميمية..
صديقك الذي يتابع أخبارك ويسألك عن أحوال أطفالك ويطمئن على انتهاء مشكلتك التي حكيتها له آخر مرة، ستشعر أنه صديق مقرب أكثر من الشخص الذي لا يذكر اسم أبنائك ولا يريد معرفة أي شيء عنك!
3- اللطف:
تعني هذه الصفة الاهتمام بشأن الآخرين ومصلحتهم والاستعداد لمساعدتهم عند الحاجة. فالشخص اللطيف ليس أنانياً متركزاً حول ذاته، وهو ما يدفعه لسلوكيات تقوي الروابط الاجتماعية مع الآخرين. حيث إن أفعال اللطف في سياق الصداقة تتضمن تقديم الدعم النفسي عند وقوع مشكلة، أو تقديم المشورة أو المساعدة في سياق الحياة والعمل.. الأمر الذي يزيد من مشاعر الامتنان والرغبة في المعاملة بالمثل، وكلها مكونات أساسية تحسن من جودة الصداقة وتزيد الرضا عنها.
4- الحب:
أي القدرة على الشعور بالمودة تجاه الآخرين بغض النظر عن سياق العلاقة.. التعبير عن الود وتلقيه.. وهي مهارة تساعد في تحسين الصداقات لأنها تزيد القدرة على تقبل الناس بمميزاتهم وعيوبهم، بدلاً من البحث عن صديق بصفات مبالغ في مثاليتها. الصديق الذي تحبه يمكنك أن تتجاوز عن هفواته ومن ثم تستمر الصداقة.
ليس الحب حكراً على العلاقات الرومانسية، بل يمتد لحبك لأفراد أسرتك وأصدقائك.... وجود هذه المشاعر في الأساس هو ما يخلق الألفة والثقة المتبادلة والالتزام تجاه الآخر.
تطبيقات عملية
كشفت هذه الدراسة نتائج أكثر تفصيلاً، مثل أن النساء سجلن درجات أعلى في: الحب واللطف وحب التعلم، بينما أبلغ الرجال عن درجات أعلى في: الإبداع والشجاعة والفكاهة.. كما أن الرضا عن الصداقة زاده كل من: الطيبة والصدق والتواضع والروحانية والحب والشجاعة.. كما زاد عدد الأصدقاء كل من: الفضول والمثابرة… لكن المثابرة الزائدة كانت مؤشراً على نقص عدد الأصدقاء لدى الرجال، ربما لاعتبارها إلحاحاً أو تدخلاً زائداً في شؤون الآخرين!
يأمل الباحثون في الدراسة، أن يتم استخدام هذه النتائج لتصميم تدريبات قائمة على القوى الشخصية لتعزيز القدرة على تحسين جودة الصداقات.. أي أن نزيد كل من قدرتنا على الحب وتقبل أصدقائنا كما هم، واللطف معهم والاهتمام بصالحهم، والصدق في أن نريهم ذواتنا الحقيقية دون زيف أو ادعاء، والفضول الاجتماعي المحمود اللازم لمتابعة أحوالهم والاطمئنان عليهم.
بعبارة أخرى..
كي تحظى بصديق جيد، احرص على أن تكون أنت نفسك صديقاً جيداً!