أعاد ابتكار ثوري الأمل في إنقاذ آلاف اللوحات الفنية التالفة باستخدام الذكاء الاصطناعي وأفلام بوليمرية شفافة، حيث أصبح بالإمكان ترميم الأعمال الفنية خلال ساعات، بدقة مذهلة ومن دون المساس بالأصل، فاتحاً بذلك باباً جديداً في عالم الترميم الذكي.
ابتكر طالب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تقنية ذكاء اصطناعي متطورة تُتيح ترميم لوحة قديمة أو تالفة في غضون ساعات قليلة، وفقًا لما نشره موقع "arstechnica". وقد نُشرت نتائج البحث في مجلة Nature العلمية.
اقرأ أيضاً...لوحة أبدعها روبوت في المزاد

فكرة بدأت من مرسم طالب
قضى أليكس كاشكين، تسعة أشهر في ترميم لوحة إيطالية متضررة، وهو عمل دقيق أتاح له التفكير في ما إذا كانت التكنولوجيا قادرة على تسريع هذا النوع من المهام المعقدة.
فعندما يتعلق الأمر بترميم الأعمال الفنية، تكون المخاطر كبيرة، وفي العقود الأخيرة، طوّر خبراء الترميم أساليب متطورة للغاية بالاعتماد على التطورات العلمية، مثل التصوير بالأشعة السينية وتحليل الصبغات. 
 
تساعد هذه الطرق خبراء الترميم على تشخيص المشاكل التي تُصيب التحف التاريخية بشكل أفضل، والتي غالبًا ما يظهر عمرها من خلال تغير اللون، وتشقق السطح أو تقشره، وتراكم الأوساخ مع ذلك، لا تزال معظم الأعمال، مثل تنظيف السطح أو إعادة طلاء البقع المفقودة من التكوين الأصلي، تُنجز يدويًا.
لهذا السبب، قد تستغرق عملية الترميم أشهرًا وتتطلب تمويلًا كبيرًا، فالأعمال الفنية الأكثر أهمية فقط هي التي تحظى بمعالجة فائقة الجودة، ولكن هذا قد يتغير قريبًا بفضل تقنية ذكاء اصطناعي جديدة طورها طالب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أليكس كاشكين.
نشأت فكرة المنتج من شغفه بجمع الأعمال الفنية التاريخية، فبدأ بترميم الأعمال الفنية بالطرق التقليدية كهواية  وقرر تجربة تطبيق خبرته الهندسية لابتكار حل أسرع، من شأنه أن يحل الكثير من العيوب في العملية اليدوية التقليدية.
اختبار عملي يثبت الفاعلية
تعتمد التقنية على مسح عالي الدقة للعمل الفني، واستخدام خوارزمية ذكاء اصطناعي موجودة مسبقًا لتحديد الشقوق أو البقع التي فُقدت فيها التركيبة الأصلية. ثم تُرمم هذه المناطق رقميًا، وهي عملية سبق أن جربها خبراء آخرون في هذا المجال مع ذلك، لم تُتح حتى الآن طريقة لنقل هذه التعديلات الرقمية إلى العمل الفني المادي.

حلت التقنية هذه المعضلة بما يُسمّى "القناع الرقمي"، الذي يُنتج بطباعة الترميم الرقمي على أفلام بوليمرية باستخدام أصباغ عالية الجودة، يُمكن وضع هذا القناع على سطح اللوحة وتثبيته بالورنيش مباشرة فوق اللوحة الأصلية والأهم من ذلك، يُمكن إزالته أيضًا، عند الحاجة، وعلى خلاف طرق الترميم التقليدية التي تُغيّر اللوحة بشكل دائم، فإن هذه الأقنعة قابلة للإزالة في أي وقت، من دون الإضرار بالأصل.

قال الباحث: "لأنه يوجد سجل رقمي للقناع المستخدم، فبعد مئة عام سيعرف المرممون بدقة ماذا تم على اللوحة. وهذا لم يكن ممكناً من قبل في علم الترميم".

وبدلًا من الاعتماد على الخيال الاصطناعي المفتوح، اختار الباحث أدوات أكثر تحفظًا ودقة، تُعطي الأولوية للتماهي الكامل مع العمل الفني الأصلي، وتُراعي التفاصيل الدقيقة من دون الانحراف عن الشكل والموقع الحقيقيين للعناصر المراد ترميمها.
ترميم لوحة من القرن الخامس عشر
وبحسب ورقة بحثية كتبها كاشكين ونشرتها مجلة  نيتشر، فإن 70% من اللوحات الموجودة في مجموعات المتاحف يتم تخزينها، ويرجع هذا جزئيا إلى التكلفة الباهظة لترميمها لعرضها للعامة.

يشرح عملية استخدام أداته الجديدة لترميم لوحة زيتية على لوح من القرن الخامس عشر، متضررة بشدة. حدّد الذكاء الاصطناعي 5612 قسمًا من اللوحة بحاجة إلى إصلاح، خلال عملية الترميم الرقمي، طابقت الرقع المفقودة ألوانها مع محيطها، أو في حالة الأنماط الأكثر تعقيدًا، نُسخ القسم من مكان آخر في اللوحة.

أكد كاشكين أن عملية التعبئة، أي وضع قناع يحتوي على 57.314 لونًا على اللوحة، استغرقت 3.5 ساعات فقط، ويُقدّر أن هذه العملية أسرع بـ 66 مرة من الطريقة التقليدية للرسم اليدوي.

يخلص البحث إلى أن هذا النهج يمنح خبراء الترميم بُعد نظر ومرونة أكبر، مما يُمكّن من ترميم عدد لا يُحصى من اللوحات التالفة التي لا تستحق ميزانيات الترميم الضخمة.

قد يسمح هذا الإنجاز للمرممين بتطبيق الترميمات الرقمية على الأعمال الفنية المادية. وهذا قد يُعزز الجهود السابقة التي يبذلها بعض علماء الفن وعلماء الحاسوب لإنشاء عمليات إعادة بناء رقمية للأعمال الفنية المفقودة.

التكنولوجيا ليست بديلاً عن الإنسان

بالرغم من هذا التقدم اللافت، يؤكد الباحث أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن حس المرمم وخبرته حيث لا يزال على المرممين اتخاذ قرارات أخلاقية بشأن مقدار التدخل المقبول، وما إذا كانت التصورات الرقمية تعكس حقًا نية الفنان الأصلية، لذا  فإن تطبيق هذه التقنية يتطلب تأملاً عميقاً حول مبادئ الترميم وقيمته.


حالياً، تعمل هذه الطريقة بكفاءة مع اللوحات التي تعاني من تلف جزئي في مناطق عديدة صغيرة الحجم، وليس في الحالات التي تفتقد أجزاء كبيرة. لكنها تقدم نموذجًا واضحًا على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لدعم الحرفية الإنسانية، من دون محوها أو تجاوزها.
لمياء الصديق (أبوظبي)