أحمد مراد (القاهرة)

حذر خبراء في الشؤون الأفريقية من خطورة تحول الحرب الأهلية في السودان إلى حرب استنزاف مجتمعية شاملة، تدفع الدولة السودانية نحو حافة الانهيار والتفكك، مؤكدين أن ملايين المدنيين يواجهون مزيجاً بالغ القسوة من التضخم، وانهيار سلاسل الإمداد، وتعطل الرواتب، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية، إلى جانب الصعوبة المتزايدة في الحصول على الغذاء والدواء بصورة منتظمة. 

وأوضح الباحث الموريتاني في الشؤون الأفريقية، سلطان البان، أن الحرب الأهلية في السودان لم تعد تقتصر على مواجهة عسكرية بين طرفي القتال، بل تحولت إلى حرب استنزاف مجتمعية شاملة، تجاوزت في آثارها حدود الصراع العسكري التقليدي، لتدفع الدولة السودانية نحو حافة الانهيار والتفكك.
وأشار البان، في تصريح لـ«الاتحاد»، إلى أن تطورات الحرب تكشف أن كلفتها الإنسانية والمعيشية باتت تتجاوز بكثير الحسابات السياسية والعسكرية، وأن أي تسوية لا تجعل حماية المدنيين واستعادة مقومات حياتهم في صدارة أولوياتها، لن تكون سوى مقدمة لإعادة إنتاج الأزمة بصورة أشد عنفاً وأكثر قسوة.
وذكر أن السودان أصبح اليوم إحدى أكبر ساحات الكوارث الإنسانية المفتوحة في العالم، سواء من حيث أعداد النازحين داخلياً، أو اللاجئين خارج البلاد، أو حجم الدمار الذي طال البنية التحتية في الخرطوم ودارفور، لافتاً إلى أن التقارير الحقوقية والإنسانية توثق موجات نزوح واسعة النطاق، وانهياراً ممنهجاً في الخدمات الأساسية، بما يشمل قطاعي الصحة والتعليم، وشبكات المياه والكهرباء، في مشهد يعكس عملية تفكيك تدريجية للبنية الاجتماعية التي تقوم عليها الدولة السودانية.
وقال الخبير في الشؤون الأفريقية: إن «الجانب الأكثر خطورة يتمثل في أن هذه الحرب لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت عملية إعادة هندسة قسرية للجغرافيا السكانية، فقد أُفرغت أحياء كاملة من سكانها، وفقدت مدن رئيسة ثقلها البشري والاقتصادي، بما يفرض خرائط سكانية جديدة قد يصعب تغييرها حتى بعد توقف العمليات العسكرية ووقف إطلاق النار». 
وأضاف أن هذا النمط من النزاعات يخلف جروحاً مجتمعية تتجاوز في عمقها آثار المواجهات العسكرية نفسها، لأنه يستهدف الأساس الذي يقوم عليه العيش المشترك، ويحول التعايش اليومي إلى حالة من انعدام الثقة والمخاطر الوجودية.
وأفاد البان بأن المدنيين في السودان يواجهون مزيجاً بالغ القسوة من التضخم، وانهيار سلاسل الإمداد، وتعطل الرواتب، والتراجع الحاد في القدرة الشرائية، إلى جانب الصعوبة المتزايدة في الحصول على الغذاء والدواء بصورة منتظمة. 
ولم تعد الأزمة تقتصر على الفقر أو تدهور بعض الخدمات العامة، بل تطورت إلى حالة انهيار اقتصادي واجتماعي شامل، وصلت في مناطق عديدة إلى مستويات المجاعة، حيث أصبح الحصول على الغذاء مرهوناً بقدرة الأسر على عبور خطوط التماس، بما تنطوي عليه من مخاطر أمنية جسيمة، أو بتحمل كلفة النزوح إلى مدن أو دول أخرى.

تداعيات بالغة التعقيد

من جانبه، قال الباحث المصري في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، إن الحرب الأهلية في السودان، خلّفت تداعيات إنسانية وأمنية ومجتمعية بالغة التعقيد، مما وضع الدولة السودانية أمام واحدة من أخطر حالات الانهيار، في ظل عجز الأطراف المتحاربة عن تحقيق حسم عسكري أو التوصل إلى تسوية شاملة، وفشل المنظومة الإقليمية والدولية في فرض مسارات فعالة لوقف إطلاق النار.
وأضاف زهدي، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة السودانية تتآكل بشكل خطير، في ظل تدمير البنية التحتية، وتعطل مؤسسات الدولة، وانهيار الخدمات الأساسية، محذراً من امتداد الصراع جغرافياً إلى مناطق جديدة.