ساسي جبيل (تونس)
توجد في مدينة القيروان المتربعة وسط البلاد التونسية بئر قديمة جدّاً وعميقة جدّاً تتعدد حولها الأساطير ولها من القصص الشعبية الطريفة الكثير حتى أصبحت متداولة بين الناس، حيث ينضح منها الماء بواسطة ناعورة يديرها جمل مغمض العينين، لا يخرج من مكانه حول الناعورة إلا مذبوحاً بعد هرمه.
كما يتفاءل الناس في القيروان بماء تلك الناعورة ويكرمون الجمل ويعلقون في رقبته مناديل للفأل الحسن في الزواج والبخت والصحة وكل خير يرتجى من غيب لا يعرف سرّه ويؤمل خيره.

إعادة بناء

ويؤكد المؤرخون في تونس أن هذه البئر يعود تاريخها إلى بداية الفتح الإسلامي مبرزين أنه تم حفر بئر واسعة الفم لها سفرة رخام، غزيرة الماء بالقرب من السوق، قبل إعادة بنائه بصورة جذرية سنة 1101هـ / 1690م.
وترتبط البئر بحكاية تأسيسها برواية أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقيقة حيث يروى بين الناس منذ القدم أن بروطة هي نسبة إلى «روطة» وهو اسم كلبة صيد «سلوغية»، كانت قد عادت إلى جيش الفتح ورجلاها مبللتان بالطين، بعد أن كانت تبحث عن الماء فعمقت تلك العين في ذلك المكان الذي كان قاحلاً، وأطلق اسم بئر أوطة عليها تحول بعد ذلك على ألسنة الناس إلى بروطة.

وفي رواية أخرى فإن بعض القدامى أصابهم العطش وهم في رحلة في المنطقة، افتقدوا كلبة ترافق قافلتهم تدعى «روطة» هربت منهم، وعندما عادت إليهم كانت أطرافها مبلّلة، قادتهم إلى المكان الرطب، حفروا فيه فكان تحته البئر، وهناك جمل معصب العينين يدور حول البئر وهو مربوط بحبل يلتف على بكرتين كبيرتين متعامدتين، فتخرج الدلاء المربوطة بالحبل مملوءة بالماء.
المثل
ومن جهة أخرى فإن الجمل الذي يأتون به صغيراً يكبر في نفس المكان إلى أن يموت، ثم يأتون بغيره حتى أصبحت العملية يُضرب بها المثل في تونس، فيقال: «مثل جمل بروطة يدخل حواراً (صغير الجمال) ويخرج أطباقاً، أي أنه يُذبح ويقدم كوجبات».

وفي هذا السياق فإن أهالي جهة القيروان من أكثر الناس بمختلف الجهات الأخرى في تونس اهتماماً بأكل لحم الجمل وخاصة منه صغير الحوار وهو «القعود»، خاصة أنه خال من الكوليسترول وغيره، في حين أنه لا وجود لهذا النوع من اللحوم في عدد كبير من الجهات الأخرى.
ومن المرويات الشعبية أيضاً ما تؤكد أن من شرب من ماء «بئر روطة» مرة يعود إليها مراراً أخرى وهو في صحة جيدة وحال أفضل، كما يقال أيضاً إن فيها شفاء للمريـــض وراحة للمهموم، وهو ما جعل الكثيرين يأتون فقط للتبرك بمائها.
وحول هذا الموضوع قال منصف الرماح من أهل القيروان: «إن ما يتناقله الناس من أن ماء بروطة مبارك، تجلى بوضوح من خلال تأكيدات الزائرين من مختلف محافظات البلاد القريبة منها والبعيدة، وأيضاً من الضيوف الأشقاء الوافدين من العالم العربي عامة ومن الدول المجاورة بالخصوص مثل ليبيا والجزائر، حيث يقيمون بالقيروان لمدة أيام ويزورون البئر لعدة مرات في اليوم الواحد، مؤكدين على أنهم يشعرون بالارتياح عندما يشربون الماء من بروطة.
 عما إذا كان ماء بروطة يتداوى به، أو يستخدم لمعالجة الأمراض النفسية أو العضوية أوضح مصطفى العلاني (معلم)،: ربما تكون الأمراض النفسية أكثر، لأن معالجتها تقتضي إيمان المريض بجدوى وفعالية العلاج»، مضيفاً أن العجائز يصرون على ذكر بعض الأمراض التي يمكن أن تعالج بهذا الماء، ومنها «الإمساك».