محمد عبدالسميع
حين تُتَوَّج الثقافة الإماراتية، وتحديداً في الجانب الفني الأدائي منها، بـ«دار الفنون» في أبوظبي، فإن في ذلك، بكل ضخامة المشروع وذكاء الغاية المتوخاة منه، تعزيزاً لمكانة هذه الثقافة، واهتماماً بالفنون الأدائية، التي تُعد تطوراً موضوعياً ومرحلياً وزمنياً ونوعياً للتراث الإماراتي؛ إذ يذكّرنا الإعلان عن هذه الدار بالرؤية الواثقة والريادية للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس الدولة، بأن التراث بالغ الأهمية، وينبغي أرشفته والعمل عليه وإتاحته للأجيال.
ومن هنا، جاءت «دار الفنون في أبوظبي» تتويجاً لمسيرة خمسين عاماً من هذا التطور الفني والثقافي، الذي يؤتي ثماره اليوم. وهو تطور موضوعي يأخذ بالأسباب، ويبني على ما كان قائماً، وما وصلنا إليه اليوم من هذا التقدم والرقي في التعامل مع الفن، واستثماره، وتنمية بوادره، وتأجيجها إبداعاً، تنهض به مؤسسات رائدة تحظى باحترام عربي وعالمي.
أما عنوان هذه الدار، وهو الفنون الأدائية، فتلك قصة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة الشعبية في الإمارات، وهي ثقافة تستمد مصادرها من وعي الإنسان الإماراتي بما حوله، وتطويعه كل ذلك ليغدو تراثاً قابلاً للاستعادة والاحتفاء واستحضار رائحة الزمن الجميل من خلاله؛ إذ تستقي فنون الأداء مادتها من أوجه التعبير الشعبي والغناء والرقصات القديمة، لتتطور على خشبة العرض، التي تصبح في نهاية المطاف خشبة المسرح، حين تمتزج هذه الفنون بالمسرح، «أبو الفنون»، وبالفنون الحديثة، فيغدو الإبداع سيد الموقف.
الفلسفة والرؤية
جاءت فلسفة «دار الفنون في أبوظبي» جامعة لكل ما هو قائم، ومشجعة له، ومحتفية به أبلغ احتفاء، وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الدار، التي تقرر أن تباشر عملها عام 2030، ستمثل صورة حضارية تحتفي بالقديم والجديد معاً، وتنفتح على فضاءات واسعة، ويعوَّل عليها في اتفاقيات التبادل الثقافي بين الإمارات والدول الشقيقة والصديقة، كما ستحتضن، بما تمتلكه من إمكانات، احتفالات الوطن الكبرى، بوصفها معلماً ثقافياً بارزاً، إلى جانب برامج التدريب والعروض اليومية والمنتظمة، بما تضمه من أقسام وتخصصات وهيكل تنظيمي وإداري، لتكون بالفعل عنواناً مضيئاً للماضي بكل روعته، وللحاضر بكل قوته، وللمستقبل بكل ما يحمله من ثقة وطنية في قراءته والتعامل الفني والثقافي معه.
ووفقاً لإحصائيات «دار الفنون في أبوظبي»، فإن هذا الصرح العالمي، الذي يُقام في جزيرة السعديات، ستصل طاقته الاستيعابية إلى أكثر من 6000 مقعد، من خلال مرافقه الفنية المتنوعة، التي تضم قاعة رئيسية متعددة الأغراض، ومدرجاً مفتوحاً، واستوديو مسرحياً، ونادياً لموسيقى الجاز، وأعلنت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي أن المبنى سيكون من تصميم المعماري العالمي الراحل فرانك جيري، بما ينسجم مع طبيعة الموقع ورؤيته الثقافية، ومن المتوقع أن يشكل وجهة جديدة للفنون الأدائية، بمسارح تستضيف عروض الأوبرا والموسيقى والمسرح وغيرها من الفنون.
الهدف المجتمعي
ستسهم هذه المرافق الفنية، بما يتيحه تجاورها، في جذب الجمهور، ومنح جزيرة السعديات في أبوظبي مزيداً من التألق، ويزيد «دار الفنون في أبوظبي» تميزاً أنه سيمنح الفنون حياة نابضة من خلال العروض الحية، فيجسد فكر الدولة الثقافي ورؤيتها للأجيال، عبر هذا المزج الذكي بين الفنون من جهة، وبين الماضي والحاضر من جهة أخرى، فضلاً عن دوره في تنمية المواهب والإبداعات، وتعزيز التلاقي الفني مع المحترفين من مختلف دول العالم.
ستوفر دار الفنون مجالاً واسعاً لاستعراض البيئات الإماراتية سواء البيئة البحرية أو الساحلية أو الصحراوية، أو الجبلية أو الزراعية وغيرها، بما يقدم لضيوف «دار الفنون في أبوظبي» صورة بانورامية مدهشة من خلال أدوات عرض متقدمة ومواكبة لأرقى ما توصل إليه العالم في هذا المجال، وستتيح هذه التجربة للأجيال الجديدة والناشئة استعادة ماضي أجدادهم وآبائهم في إبداع البحر أو الصحراء، على سبيل المثال، بما يعزز المكانة التراثية في صورة مرئية تؤكد وترسخ ما تعلمه أو عرفه الأبناء والأحفاد من هذه الإبداعات.
ومن حق الأجيال الجديدة أيضاً أن تطلع على أحدث الفنون، فهي أجيال واثقة بماضيها الثقافي والتراثي، وبفنونها الأدائية الأصيلة، وفي الوقت ذاته ليست منعزلة عن حاضرها ومستقبلها. ولنا أن نتخيل كيف ستتجاور موسيقى الجاز مع فنون الأداء بالسيف، أو مع عروض الأوبرا، أو فنون الغناء ونهمات البحر، أو الفنون التراثية، أو فنون المسرح، بل كيف سيتخلل التراث العروض المسرحية، بمدارس المسرح القديمة والحديثة، وهي في الواقع رؤية مهمة في التوليف، ونقل المشاهد من أجواء إلى أخرى، اعتماداً على ثراء التنوع، وكون الوجدان مساحة واسعة تفتح نوافذها على كل ما هو إبداعي، في القديم والحديث، وما قد يحمله مستقبل التراث من إبداعات.
الفنون الشعبية
وفي «دار الفنون»، حين يجتمع المسرح، هذا الفن العالمي والحضاري الأصيل، بالفنون الشعبية، التي تمثل امتداداً لكل تعبير عن الحياة ومشاقها، وتصميم الإنسان وعزيمته في مواجهة الظروف القاسية، فإن السرد والعرض الفني البصري، حين يجتمعان لتقديم لوحة تعيدنا إلى ماضينا، سيجعلاننا أمام وثيقة بصرية وسردية للدولة تمتد لأكثر من خمسين عاماً، بل إلى ما قبل ذلك، في تجليات البصمة الإنسانية والوطنية المرتبطة بالبحر؛ تلك المساحة الواسعة التي كان الإماراتيون يلقون في مياهه وعلى سواحله أكبر همومهم وأمانيهم، ويتصبرون بالغناء على بُعد الديار والأهل والأصدقاء. وهكذا يصبح جيل العصر الرقمي على تماس مع ماضيه، ومع مفردات النهّام، فتغدو «النهمة» مألوفة بكلماتها وطريقة أدائها، كما يتعرف المشاهد المحلي والعربي والعالمي إلى هذا الأداء، بما يتجلى فيه من أزياء ومفردات تبدو ناصعة، مثل نصاعة اللؤلؤ والصيد الثمين، ولا سيما أن الإنسان الإماراتي حمل ثقافته إلى بلاد أخرى، كالهند وزنجبار، عبر رحلات التجارة والامتداد الإنساني من خلال البحر.
أبو الفنون
ينطبق الأمر نفسه على التراث الشعبي، بما يضمه من فنون مثل العيالة، واليولة، والليوا، والحربية، والرزيف، والأهلة، والمالد (وهو أداء ذو طابع ديني)، وغيرها من الفنون، التي يجد فيها المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، الوعاء الأشمل لاستيعابها وتمثيلها على الخشبة باعتبارها فنوناً أدائية.
وبذلك يتسع المسرح، بطبيعته، لتقديم قضاياه التي عُني بها عبر التاريخ، فتغدو هذه العروض جزءاً أصيلاً منه، بل من ركائز أدائه، كما يرى الباحثون والمتخصصون في هذا الفن.
العمل المؤسسي
واليوم، تأتي «دار الفنون» لتعتني بسؤال المستقبل الثقافي والفلسفي من منظور الفنون الأدائية، متخذة من المسرح نموذجاً لهذا المشروع الحضاري.
وثمة أمر لا بد من التأكيد عليه، وهو أن وجود «دار الفنون» سيسهم في ترسيخ الصناعات الإبداعية وتعزيز نموها، وهي الصناعات التي أولتها دولة الإمارات اهتماماً كبيراً، وعملت على زيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، من خلال الاحتكاك بالتجارب العالمية الرائدة في هذا المجال. وتؤكد المؤشرات والأرقام هذا التوجه، فكيف سيكون الأثر عندما تجتمع كل هذه العناصر في إطار مؤسسي متكامل، تتوجه «دار الفنون في أبوظبي»؟،