دينا جوني (دبي)  

يحتفظ قطاع التعليم بمكانته على جدول السياسات المهمة والخطط الاستراتيجية والاستشرافية التي تعتمدها القيادة الرشيدة في الدولة، وآخرها التوجهات المستقبلية التي رسمتها «خلوة الخمسين»، وذلك في إطار احتفالات دولة الإمارات العربية المتحدة بيوبيلها الذهبي، وتزامناً مع توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بإعلان العام 2021 «عام الخمسين».
في «الخلوة» حددت الحكومة أولوياتها التنموية ووضعت حلولاً استباقية لتجاوز التحديات ومواصلة تحقيق الإنجازات  للخمسين عاماً المقبلة، في العديد من القطاعات ومنها التعليم ومهارات المستقبل، بما ينعكس إيجاباً على تنافسية دولة الإمارات. 
«الاتحاد» التقت بعدد من الخبراء الذين رسموا ملامح خريجي المستقبل، وتطرقوا إلى كيفية التحوّل إلى الاقتصاد المعرفي المستدام، وتطوير منهجية عمل المؤسسات البحثية والأكاديمية، بالإضافة إلى تغيّر المهارات التي يجب أن يكتسبها الجيل الجديد لمواكبة وظائف المستقبل. 

  • محمد عبد الله

اعتبر محمد عبد الله، رئيس معهد دبي للتصميم والابتكار «DIDI»، أن العملية التعليمية تمر بمتغيرات كثيرة، واليوم لم يعد الأمر يتعلق فقط بتطوير المنهاج الدراسي ومحتوياته العلمية، ولكن أيضاً بمهارات أساسية من الضروري اكتسابها والتدرب عليها، وتضمينها في العملية التعليمية، لا سيما تلك المتعلقة بحل المشكلات المعقدة، والتفكير النقدي، والإبداع، وهي أساسيات نسعى لتزويد طلابنا بها، ويضعها المنتدى الاقتصادي العالمي على رأس قائمة المهارات المطلوبة للمستقبل. وفي حين أن أولى تلك المهارات تعني بإيجاد حلول للتحديات التي تواجه المجتمع، فإن الثانية تركز على التفكير بدل التلقين، وتعتمد مشاركة الطالب في صياغة المحتوى التعليمي، وتواصله مع المعلم الذي أصبح من الضروري أن يتجاوز دوره التقليدي ليتحول إلى مرشد وموجه، ومن هنا يأتي تشجيعنا لطلابنا على التفكير وإعادة التفكير مرات ومرات حتى الوصول إلى أفضل النتائج. أما الإبداع فإنه يعني أفكاراً وطرقاً مبتكرة، لمواجهة تحديات ظهور قطاعات حديثة تحتاج إلى تأهيل الدارسين وتمكينهم في اختصاصات متعددة حتى يتمكنوا من العمل فيها، وهو أمر قد أصبح واقعاً في سوق العمل، فعلى سبيل المثال تحتاج منتجات كالملابس الذكية إلى خلفية علمية وعملية في الوسائط المتعددة وتصميم الأزياء معاً، وتتعدد الاختصاصات المطلوبة بتعدد الأمثلة على المنتجات والخدمات المستحدثة، وهذا مستقبل بدأ منذ الآن يحتاج من يعيش فيه إلى مهارات ناعمة تتحول مع الدراسة والتدريب إلى جزء من شخصية صاحبها، مثل القدرة على التعاطف ومعرفة احتياجات الأفراد والمجتمعات».

تطوير القطاعات
وأضاف محمد عبد الله : « أن رسم ملامح خريج المستقبل لا يتعلق فقط بوصفات جاهزة، ولكنه نتاج عملية تفاعلية بين مكونات البيئة الدراسية من الطلاب وأولياء أمورهم والمؤسسات التعليمية وشركائها المجتمعيين، والجهات الخاصة والعامة المعنية، وإيجاد التواصل السليم بين أصحاب القرار والقطاعات المختلفة، لتكون الأبحاث الأكاديمية داعماً لعملية التنمية التي تقوم بها تلك القطاعات، أي أن البحوث العلمية يجب أن يكون لها تطبيقات عملية تخدم المجتمع، وتصب في صالح تطوير القطاعات التي توليها الدولة مزيداً من الاهتمام مثل البيئة والمواصلات والطاقة وغيرها من المجالات التي تشهد ظهور نماذج أعمال جديدة، تستدعي الحاجة إلى إيجاد قوانين وتشريعات تواكب المستجدات، لذا يجب أن تشترك المؤسسات الأكاديمية في استكشاف الجوانب القانونية المعنية بإبداعات الطلاب وخصوصاً في ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، ومراجعة أفضل الممارسات العالمية لحماية المنتج الفكري الذي يعتبر أغلى سلعة في اقتصاد المعرفة».

  • محمد عبد الرحمن

الركائز الأساسية
وقال الأستاذ الدكتور محمد أحمد عبد الرحمن، مدير جامعة الوصل إن التعليم يُعد إحدى الركائز الأساسية لأي تطور وتنمية إن لم يكن أهمها. من هنا كان اهتمام القيادة الرشيدة للدولة بدعم التعليم والبحث العلمي، للنهوض بقدرات ومهارات المواطنين لمواكبة التطور  التكنولوجي المطرد، ويتضح ذلك من المراكز المتقدمة التي حققتها الجامعات الإماراتية في ترتيبها على مستوى دول العالم وريادتها على مستوى الجامعات العربية، مشيراً أن بناء القدرات وتعزيز الابتكار وتطوير مهارات الشباب وإكسابهم مهارات حل المشكلات، والعمل على بناء السمات الشخصية للطلبة وزرع حب الاستطلاع والاستكشاف، والتفكير النقدي ومهارات التعامل والتواصل مع الآخرين والتمكن من مهارات البحث العلمي وتعزيز قدرة المتعلم على متابعة التعلم مدى الحياة، تمثل مهارات أساسية يجب على الشباب اكتسابها لمواجهة تحديات المستقبل ومواكبتها. وللجامعات دور مهم نحو إكساب الشباب لهذه المهارات من خلال التطوير المستمر للمساقات الأكاديمية في البحث العلمي والأكاديمي من ناحية، ولتنمية المهارات الشخصية من ناحية أخرى، وبما يتوافق واحتياجات سوق العمل المستقبلية.   
وأكد أهمية الإبداع والابتكار خاصة في ظل اقتصاد المعرفة الذي يقوم بتحويل المعرفة إلى ثروة، ويسعى لاستقطاب المبدعين والمبتكرين، بهدف تحسين نوعية الحياة، وتحقيق التنمية الشاملة في شتى مجالات الحياة وتحقيق الثروة وتحسين الاقتصاد.   

المؤسسات البحثية والأكاديمية
ورأى أن تطوير منهجية عمل المؤسسات البحثية والأكاديمية يبدأ من خلال توجيه هذه البحوث نحو احتياجات المجتمع الحالية والمستقبلية، وبما ينمي اقتصاد المعرفة لتحقيق أكبر فائدة مرجوة منها، ودعم هذه المؤسسات مالياً وسن التشريعات التي تزيد من كفاءة عملها، إضافة إلى دعم وتطبيق مخرجاتها على أرض الواقع بما يعود بالنفع على الدولة والمجتمع، بما يؤدي إلى فتح مجالات بحثية جديدة مثل أبحاث الفضاء، واستكشاف الكواكب وصناعات الطيران المتخصصة، وأبحاث الطاقة الشمسية، وبرامج الذكاء الاصطناعي وغيرها. وقد حققت دولة الإمارات من خلال تبنيها لسياسة رشيدة في التعليم وتطوير البحث العلمي إلى إطلاق برنامج لاستكشاف الفضاء،  وإطلاق مسبار الأمل إلى كوكب المريخ كأول دولة عربية وإسلامية وخامس دولة في العالم تصل إلى الكوكب الأحمر، لتكون بداية عهد جديد ومستقبل واعد لدولة الإمارات.

  • عيسى البستكي

مهارة التعامل
بدوره، قال الدكتور عيسى البستكي رئيس جامعة دبي، إن المهارات ستكون مختلفة تماماً في المستقبل، وأكثر ارتباطاً في مجال الذكاء الاصطناعي والذكاء الإدراكي التقريبي للآلة، وقال: إن مهارات المستقبل ستركز على كيفية إنجاز الأعمال في مختلف القطاعات المهنية والطبية والفنية والتكنولوجية باستخدام الآلة، وبالتالي مهارة التعامل الاحترافي مع تلك الآلات.   
وبالنسبة لجامعات المستقبل، فأشار إلى أنه بعد 20 عاماً ستكون الجامعات من دون مباني، وسيكون التعلّم فردياً. إذ سيكون الطالب قادراً على اختيار متى وكيف وماذا يتعلّم ومع من، ليرسم مستقبله بنفسه. فبعد أن يختار التخصص أو المنهج الذي يريد، يمكنه أن يختار الأساتذة من أي مكان في العالم لتدريسه ومتابعة تعليمه معهم، وإجراء التجارب والمشاريع عن بعد. وسيكون استخدام تقنيات الجيل الخامس في الاتصالات، بالإضافة إلى البلوك تشين جزءاً من خدمة التعليم.

سبع مقوّمات
وعن التحوّل إلى الاقتصاد المعرفي، لفت إلى أن دولة الإمارات منذ أن أطلقت الاستراتيجية الوطنية للابتكار في العام 2014، بدأت في تأسيس بنيان الاقتصاد المعرفي. وذكر سبع مقوّمات أو عناصر للاقتصاد المعرفي أبرزها مميزات القيادة التي تعي أهمية هذا التحول وتمتلك الرؤية وتمكّن المجتمع وتلبي احتياجاته عبر خلق البيئة المناسبة لهذا التحوّل، مؤكداً أن نجاح بقية المقوّمات متوقف على نجاح القيادة نفسها. والعنصر الثاني هو جودة التعليم والذي تترجمه الجامعات من خلال سعيها الحثيث للحصول على اعتمادات دولية لبرامجها، بالإضافة إلى تركيز وزارة التربية سواء في التعليم الحكومي أو الخاص أو الجامعي على جودة التعليم وخلق الأطر المناسبة لضمانها. والعنصر الثالث، هو إعطاء البحث العلمي والتطبيق التجاري 20 في المئة من نسبة الأبحاث الجامعية، والعنصر الرابع هو الابتكار وريادة الأعمال التي تنتج معرفة في قطاعات التكنولوجيا والأدب والموسيقى والسينما والضيافة. ولفت أن جامعة دبي كانت من أوائل الجامعات التي بدأت بتطبيق ريادة الأعمال ضمن برامجها الأكاديمية. أما العنصر الخامس فهو إطلاق المناطق الاقتصادية والإبداعية الحرة تنفيذاً لوثيقة الخمسين التي أصدرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في يناير من العام الماضي، والتي نصت على تحويل الجامعات الوطنية والخاصة إلى مناطق اقتصادية وإبداعية حرة  تسمح للطلاب بممارسة النشاط الاقتصادي والإبداعي، وتعزيز هذه المنهجية كركيزة وهدف رئيسي لمنظومة التعلم والتخرج. والعنصر السادس هو البنية التحتية التقنية والاتصالية، والسابع هو التوجهات المستقبلية واستشراف المستقبل لتحقيق اقتصاد ذكي ومعرفي ومستدام. 
وعن تطوير منهجية عمل المؤسسات البحثية والأكاديمية، دعا إلى إنشاء إدارة خاصة بالأبحاث في المؤسسات والجامعات كما هو حاصل اليوم في «ديوا» و«دوبال». وناشد كل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وأن يكون عندها إدارة للأبحاث العلمية، والتعاون مع الجامعات من خلال فتح مراكز لتلك المراكز فيها، خصوصاً أن تكلفة الأبحاث في الجامعات أقل بكثير من تكلفة إنجازها في مؤسسات العمل. ولفت إلى أهمية تقسيم العمل البحثي في الجامعات على الشكل التالي: 50 في المئة للأبحاث النظرية الأساسية، و30 في المئة للأبحاث التطبيقية بالتعاون الشركات، و20 في المئة للبحث العلمي والتطبيق التجاري من خلال الاستفادة من الحاضنات التي أنشأتها الجامعات، وإطلاق المنتجات التجارية محلياً وعالمياً.

المهارات الضرورية
وقالت ماري سعد، مديرة أولى في التطوير المدرسي بمجموعة جيمس للتعليم: إن تأسيس نظام تعليمي مرن وفعّال هو مفتاح  تطوير اقتصاد معرفي. ومن المهارات الضرورية للمشاركة بفعالية في اقتصاد المعرفة القدرة على إنتاج تقنيات المعلومات والاتصالات واستخدامها بشكل فعال. كما يعدّ التعلّم مدى الحياة وتحسين المهارات واكتساب المعرفة من السمات الرئيسية للدول الناجحة التي ترغب في الانتقال إلى اقتصاد قائم على المعرفة وتعزيز الابتكار والبحث والتطوير

أفكار ورؤى
ناقشت «خلوة الخمسين» عدداً من الأفكار والرؤى لتطوير المهارات المستقبلية للشباب والأجيال المقبلة، ومنها أبرز المهارات التي يجب التركيز عليها خلال الخمسين عاماً المقبلة، وتطبيق أفضل الممارسات التعليمية، وتأهيل وإعداد جيل جديد من الشباب القادر على تطوير النظام التعليمي في الدولة. وكذلك ترسيخ مبدأ التعلم مدى الحياة، بما يضمن رفد القطاعات الاجتماعية والاقتصادية في الدولة بمبادرات وسياسات جديدة تنعكس إيجاباً على تنافسية دولة الإمارات عالمياً.
وبحثت «الخلوة» الآليات الكفيلة بتطوير قطاع البحث العلمي وتحفيز المشاركة الأكاديمية والتخصصية، وسبل مواكبة المتغيرات والاتجاهات العالمية لتطوير منهجية عمل المؤسسات البحثية والأكاديمية، وبناء القدرات الوطنية، وتزويدها بالمهارات اللازمة لسوق العمل المستقبلي. كما ناقشت أبرز أفكار ومقترحات أفراد المجتمع لتطوير منظومة تعليمية تعتمد أحدث الوسائل التكنولوجية، وتطوير البنية التحتية الرقمية التي تعزز مبادرات الدولة في تصميم الجيل الجديد من مدارس المستقبل، ودعم مجالات العلوم المتقدمة التي تسهم في تعزيز إنتاجية القطاعات الحيوية، والتحول إلى الاقتصاد المعرفي المستدام.