د. صلاح الغول *

يعكس قرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، الصادر مؤخراً، بشأن تشكيل مجلس أمناء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان الأهمية التي تُوليها دولة الإمارات لملف حقوق الإنسان، ويدفعنا إلى إلقاء الضوء على أهم جوانب النموذج الإماراتي في حقوق الإنسان.
فقد أولت دولة الإمارات أولوية قصوى لقيم احترام حقوق الإنسان، مستمدة ذلك من تراثها الثقافي ودستورها الذي يكفل الحريات المدنية للجميع، ومنظومتها التشريعية التي تعزز مبادئ العدالة والمساواة والتسامح، وقطعت شوطاً كبيراً في تعزيز وتطوير سجلها في مجال حقوق الإنسان. 
وينسجم القرار مع توجه الدولة لتعزيز حماية حقوق الإنسان، ونعتقد أنّ مجلس أمناء الهيئة سيكون له دور كبير في هذا المجال، إذ إنه يضم نخبة من المتخصصين والناشطين الحقوقيين، وسوف تكون لهم بصمات واضحة ومؤثرة.

دولة إنسانية
وعلى الرغم من أنّ مفهوم حقوق الإنسان أصبح معتمداً من الجماعتين الأكاديمية والصحفية، ومتداولاً بين السياسيين، إلا أننا نرى أنّ مفهوم «الدولة الإنسانية»، الذي اقترحناه في مقالٍ نشر في صحيفة «الاتحاد» بتاريخ 18 ديسمبر الجاري، أكثر تعبيراً عن التزام دولة الإمارات بحقوق الإنسان من المنظور الإنساني الواسع، وفي الداخل والخارج أيضاً، وأكثر دلالة على النموذج الإماراتي في حقوق الإنسان الذّي تلخصه الآية 13 الكريمة من سورة الحجرات «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير»، والتي تم تضمين معناها (جميع الناس أحرار متساوون في الكرامة والحقوق) في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948. ويقصد بـ«الدولة الإنسانية» تلك التي تُضمِّن نظامها العقيدي قيماً إنسانية عامة غير محملة بإيحاءات إيديولوجية، وتصيغ توجهاتها الخارجية في إطار الدائرة الإنسانية وتولي القضايا الإنسانية الكبرى اهتماماً مكثفاً، وتتصور لنفسها دوراً إنسانياً في العالم. وأعتقد أنّ هذا المفهوم يجب أن يأخذ مكانه في الكتابات السياسية للإشارة إلى مجموعة محددة من الدول، على رأسها الإمارات العربية المتحدة.
وتجد منظومة القيم الإنسانية في دولة الإمارات مدونة في دستور الدولة الدائم للعام 1996 ووثيقة مبادئ الخمسين، الصادرة في سبتمبر الماضي، وهي المرجع لجميع مؤسسات الدولة خلال الخمسين عاماً المقبلة. ومن أهم هذه القيم: المساواة، والكرامة البشرية، والانفتاح والتسامح، دولة العدالة، التعددية الثقافية، وحوار الحضارات والأديان، والأخوّة الإنسانية، والتضامن الإنساني والتعايش السلمي.
ويتكشف البعد الإنساني للسياسة الإماراتية في توجهاتها الخارجية المتمثلة في «الدعوة للسلم والسلام والمفاوضات والحوار لحل الخلافات كافة» في أنحاء العالم، وهو المبدأ العاشر من مبادئ الخمسين، وإسهامها الفعلي في تسوية النزاعات الدولية بطريقة سلمية داخل المنطقة وخارجها، ومشاركتها في قوات حفظ السلام الدولية والاستجابة للكوارث في أماكن في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا منذ مطلع القرن الحالي. ويتكشف البعد الإنساني للسياسة الإماراتية كذلك في التزام الدولة النشط بالقضايا الإنسانيةِ الكبرى، وعلى رأس هذه القضايا تعليم الأطفال حول العالم، تعزيز المساواةِ بين الجنسين، وإرساء قيم التسامح والتعايش، ومكافحة التطرّف والإرهاب وتغيّر المُناخ، والإغاثة الإنسانية والصحة العالمية، وتسخير الابتكار في خدمة السلام.
ويتجسد الدور الإنساني للإمارات في دبلوماسيتها الإنسانية، أحد الأعمدة الرئيسة لسياستها الخارجية. فقد غدت الإمارات نموذجاً عالمياً يحتذى في تقديم المساعدات الإنسانية، والاقتصادية عموماً، للدول والشعوب الأقل حظاً في العالم، وفي مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية والأزمات والنزاعات المسلحة والفقر حول العالم. وتبين مبادئ الخمسين أنّ «المساعدات الإنسانية الخارجية لدولة الإمارات جزء لا يتجزأ من مسيرتها والتزاماتها الأخلاقية تجاه الشعوب الأقل حظاً. ولا ترتبط بدين أو عرق أو لون أو ثقافة أو الاختلاف السياسي». وقد نال هذا الدور الإنساني اعترافاً عالمياً متزايداً، فهي من أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية، مقارنة بالدخل القومي الإجمالي وفقاً للأمم المتحدة. والأهم من ذلك أنّ الإمارات تقدمت، في مجال العطاء الإنساني، على دول ذات سمعة عالمية طيبة في هذا المجال كالنرويج والسويد ولوكسمبورج.
ولعل خير تجسيد لمفهوم الدولة الإنسانية هو تلك القصة المعبرة التي يرويها شاب عربي كان في نزهة على كورنيش أبوظبي بصحبة أسرته التي تضم طفلة من ذوي الهمم على كرسي متحرك. وكانت الأسرة حطت رحالها بأبوظبي ليومين فقط، قادمة من ألمانيا إلى بلادها في رحلة ترانزيت عبر العاصمة الإماراتية، هي الأرخص التي وجدتها في طريق عودتها من رحلة علاجية للطفلة المذكورة اضطرت إلى توقيفها بسبب غلاء التكاليف. وفوجئ الشاب العربي بشخصين يلاحقانهما، وقد انكب أحدهما على يد ذات الهمم تقبيلاً، والدموع تكاد تترقرق من عينيه أثناء حديثه الرقيق معها. ثم نهض صاحبنا ليسأل رب الأسرة عن أخباره وعلومه. فلما قص عليه القصة، سأله أن يقيم في أبوظبي على أن يتكفل بتوفير إقامة كريمة لأسرته، والأهم هو التكفل بعلاج ابنته في الخارج. لم يصدق رب الأسرة، ولم يكن لديه سوى الموافقة أمام جدية محدثه وتصميمه، وعرف بعد قليل أنّ محدثه هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

منظور واسع 
والحقيقة أنّ المنظور التي تتبناه الإمارات منظور واسع يشمل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الأشخاص أصحاب الهمم (ذوي الإعاقة) وكبار المواطنين (كبار السن) وحقوق العمالة ومكافحة جرائم الإتجار بالبشر، ولا يركز فقط على المنظور الضيق أو الجانب السياسي الذي غالباً ما تركز عليه منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية.
فبالنسبة للحقوق السياسية والمدنية، كفل الدستور الإماراتي الحقوق والحريات المدنية للأفراد. فجميع الأفراد سواء أمام القانون، ولا تمييز بين مواطني الدولة بسبب الأصل، أو الموطن، أو العقيدة الدينية، أو المركز الاجتماعي. كما ينص الدستور على حماية القانون للحرية الشخصية لكافة المواطنين، ولا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حجزه أو حبسه إلا وفق أحكام القانون. المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ويحظر الدستور إيذاء المتهم جسمانياً أو معنوياً.
يوضح دستور الدولة الحريات والحقوق التي يتمتع بها كافة المواطنين، ويمنع التعذيب والاعتقال والاحتجاز التعسفي، ويحظر المعاملة المهينة للكرامة بمختلف أشكالها، ويصون الحريات المدنية، بما فيها حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، وممارسة المعتقدات الدينية. كافة الأفراد متساوون أمام القانون، بصرف النظر عن جنسهم وعرقهم وجنسيتهم ودينهم ومكانتهم الاجتماعية.
وتتسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دولة الإمارات العربية المتحدة بالثقة المتبادلة، والطابع التعاوني، والقنوات المفتوحة من أعلى لأسفل ومن أسفل لأعلى أو ما يُطلق عليها «سياسة الباب المفتوح»، بمعنى أنّه لا توجد حواجز تقف حائلاً أمام أي مواطن من عرض مطالبه على الحاكم. كما أنّ العلاقة بين الحاكم والمحكوم أساسها الاحترام المتبادل بين الطرفين، وإطارها سيادة القانون والمساواة بين أبناء الوطن الواحد. وتوسيع آفاق المشاركة الشعبية في العملية السياسية، وترسيخ العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وبالنسبة للحقوق الاجتماعية، يستند المنظور الإماراتي إلى رؤية شاملة لـ«بناء الإنسان»، ومنهج فريد في الرفاه الاجتماعي يتفوق من حيث نطاقه وأبعاده على برامج الرفاه الاجتماعي المتبعة في العديد من الدول المتقدمة ذات الدخل المرتفع ومعدلات الرفاه العالية، ولاسيما الدول الاسكندنافية، فضلاً على تطبيق حزمة من البرامج التنموية التي تصب في الاتجاه ذاته، ومنها برنامج مثابر للتوطين، وخاصةً في القطاع الخاص، وتمكين المرأة والحفاظ على التنوع في المجتمع الإماراتي واستثماره، والارتقاء بمستوى الخدمات الاجتماعية، وعلى رأسها الإسكان والتعليم والصحة.
وبالنسبة للحقوق الاقتصادية، فإنّ الإنجازات التنموية ملموسة انعكست على ما ينعم به المواطنون والمقيمون من حالة الرخاء والوفرة. فمتوسط الدخل الفردي في دولة الإمارات، الذّي بلغ أكثر من 35 ألف دولار عام 2021، يعد من أعلى متوسطات الدخول الفردية في العالم.
وتقوم دولة الإمارات بدورٍ رائد في مجال مكافحة الإتجار بالبشر. ففي العام 2007، أنشئت اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر. وتعمل هذه اللجنة على تطوير الأطر اللازمة لتطبيق قانون لمكافحة الاتجار بالبشر، كما تعمل بانتظام على تقييم الإجراءات التي تتخذها الحكومة لتطبيق القانون، وتساعد في التنسيق بين الوزارات والدوائر الحكومية المعنية بمكافحة جرائم الإتجار بالبشر. كما لم تألُ الدولة جهداً في تقديم الدعم المادي والمعنوي اللازم لضحايا الاتجار بالبشر، ومن أهم المبادرات التبرع الذي قدمته سموّ الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، لتوفير احتياجات وتركيب أطراف صناعية لعدد من ضحايا الاتجار بالبشر. 
وفي الإطار الدولي، لعبت الدولة دوراً بارزاً في تأسيس مجموعة «أصدقاء متحدون» لمكافحة الاتجار بالبشر في الأمم المتحدة، كما دعمت الخطة العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر، واستضافت الدورة الثانية من المنتدى الحكومي لمناقشة تحديات الاتجار بالبشر عبر الشبكة الافتراضية في شهر أكتوبر 2020. والذي سلط الضوء على تقديم الحلول المبتكرة حول حماية ضحايا الاتجار بالبشر في ظل تفشي جائحة كوفيد -19. 

الاعتراف الدولي
ونالت جهود الإمارات في مجال حقوق الإنسان اعترافاً دولياً واسع النطاق. فقد انتخبت لعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ثلاث مرات، في أعوام 2013 و2016 و2021. وبداية من العام المقبل، ستكون أول دولة تجمع بين عضويتي مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن. يُذكر أنّ دولة الإمارات انتخبت لعضوية مجلس الأمن التابعِ للأُمم المتحِدة لعامين متتاليين تبدأ مطلع يناير 2022.في أكتوبر 2021، فازت الإمارات بعضوية مجلس حقوق الإنسان بأغلبية ساحقة في انتخابات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولمدة ثلاث سنوات متواصلة، في الفترة من 2022 إلى 2024. ويعد انتخاب الإمارات من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة دليلاً على المكانة الدولية التي تحظى بها في المجتمع الدولي، وعلى الدور الذي تنهض به في الدفاع عن حقوق الإنسان في جميع دول العالم.
وأسهمت الدولة خلال عضويتها السابقة في مجلس حقوق الإنسان في إثراء عمل المجلس من خلال المشاركات في الاجتماعات، والانخراط في المشاورات غير الرسمية المتعلقة بمشاريع القرارات المعروضة على المجلس. واتسمت مواقف الدولة إزاء المسائل المواضيعية وحالات الدول المطروحة على أجندة المجلس بالحكمة والموضوعية. كما دعمت الدولة القضايا العربية والإسلامية في المجلس. ورعت الدولة بصفة رئيسة مبادرة حق الفتيات في التعليم، حيث قدمت الدولة أربعة قرارات للمجلس اعتمدها الأخير بالإجماع. كما نظم المجلس بناء على القرار الذي قدمته الدولة للمجلس حلقة نقاش رفيعة المستوى عن حق الفتيات في التعليم في شهر يونيو 2015، تضمنت الدروس المستفادة، وأفضل الممارسات الدولية بشأن تحقيق تمتع جميع الفتيات على قدم المساواة بالحق في التعليم. كما نظمت الدولة عبر بعثتها في جنيف العديد من الأحداث والفعاليات الجانبية على هامش دورات مجلس حقوق الإنسان. منها على سبيل المثال لا الحصر، تعزيز قيم التسامح، ووثيقة الأخوة الإنسانية، وحقوق العمالة.
وحظيت الجهود والإنجازات التي حققتها الدولة في مجال حقوق الإنسان، خلال جلستي الاستعراض لتقريري الدولة في المجلس عامي 2013 و2018، بإشادة واسعة من قبل الدول والأعضاء المراقبة في مجلس حقوق الإنسان. 
يُذكر أنّ ثمة قاعة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة باسم دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي نوفمبر 2021، انتخبت الإمارات لرئاسة منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لدورة جديدة تستمر للسنوات الأربع المقبلة، وأصبح اللواء الدكتور أحمد ناصر الريسي أول شخصية عربية تتولى رئاسة الإنتربول. 
وإضافة إلى الريسي، تترأس الشيخة بدور القاسمي الاتحاد العالمي للناشرين، ويترأس محمد بن سليم الاتحاد الدولي للسيارات. كما تترأس رزان المبارك الاتحاد الدولي للبيئة. ولم يكن لهؤلاء أن ينتخبوا لمناصبهم رفيعة المستوى تلك لولا السمعة الطيبة والصورة الإيجابية لدولتهم في الخارج. 
كما أحرزت الإمارات المرتبة الأولى عالمياً في التعايش السلمي بين الجنسيات، وذلك وفقاً لتقرير المنظمة العالمية للسلم والرعاية والإغاثة، وهي منظمة غير حكومية وعضو بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، للعام 2014.
كانت هذه زيارة سريعة للمسار الإماراتي في حقوق الإنسان، وهو المسار الذي يصح أن نسميه نموذج الكرامة الإنسانية للمواطنين والمقيمين في المجالات كافة، وهو نموذج متواتر عبر الأجيال منذ تأسيس دولة الاتحاد، ويحظى برعاية القادة ومؤسسات الدولة. 
ولكن تعزيز مسيرة نموذج الكرامة الإنسانية الإماراتي يتطلب مواصلة المساهمة من قبل المواطنين والمقيمين على السواء، عن طريق تعزيز التلاحم الإنساني الموجود بينهم، والتنشئة الاجتماعية للأجيال المقبلة، والتفاعل الإيجابي، وبالقوة نفسها، مع بُعدي الكرامة الإنسانية، وهما: الحقوق والواجبات.
وفي نموذج الكرامة الإنسانية الإماراتي ثنائي البُعد، يجب أن يكون ارتكازنا على مبادرات القيادة وسياسات الحكومة، كما يجب أن نكون، مواطنين ومقيمين، إيجابيين سواء في التمتع بحقوقنا من دون المس بحقوق الآخرين أو في أداء واجباتنا. وفي هذا الخصوص، تحضرني مقولة الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «لا تسأل ماذا قدم لك وطنك، ولكن اسأل ماذا قدمت أنت لوطنك».


*متخصص في العلاقات الدولية والقضايا الجيوسياسية