شروق عوض (دبي)

مع انتهاء فعالياته، سيظهر تميز الحدث الدولي الذي استضافته دولة الإمارات «إكسبو 2020 دبي»، عن باقي الأحداث العالمية الكبرى الأخرى، بريادته وتفرده في دعمه لقضية الاستدامة، واتضح ذلك جلياً في عدة حقائق على أرض الواقع، أهمها تخصيص جناح للاستدامة ضمن أجنحته الموضوعية الثلاثة التي ينقسم إليها موقعه، فبات الاسم الرسمي له هو «جناح الاستدامة»، والذي يمد الموقع بالكامل طاقته من ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى المصادر الأخرى للطاقة المتجددة، فضلاً عن كونه يعيد تدوير الكثير من المياه المستخدمة بداخله، وإعادة استخدام غالبية مساحات موقعه بالكامل بعد انتهاء الحدث، حيث قد يتحول إلى مناطق عمرانية جديدة متعددة، نظراً لتميزه بموقع استراتيجي بين المطارين اللذين يخدمان دبي وسهولة الوصول إليه عبر وسائل المواصلات العامة، كما يصبح جناح الاستدامة مركزاً للعلوم في دستركت 2020، المشروع الحضري المتكامل الذي يتميز بموقع سهل الوصول إليه أيضاً، والذي يكون جزءاً من الإرث الفعلي لإكسبو. 

بنية تحتية
ولم يأت تركيز دولة الإمارات على قضية الاستدامة من فراغ، وإنما جاء لكون الدولة تعد واحدة من الدول الرائدة في العالم في مجال الاستدامة، إذ تنسجم أجندة الاستدامة في إكسبو 2020 دبي مع الأجندة الوطنية في هذا المجال، فقد جسد المعرض التزاماً متكاملاً بالاستدامة، وهو أمر عايشه الزائر وشاهده في مختلف أروقته وثناياه، وتأصل هذا المفهوم بمخيلته في البنية التحتية والمباني وتصميم الأجنحة واستخدام الطاقة النظيفة، وتدوير النفايات وصولاً إلى عرض مشاريع ومبادرات مبتكرة تعزز الاستدامة لتصبح نسخة دبي من أكثر نسخ إكسبو الدولي استدامة على الإطلاق.
هذا وجاء اختيار معرض إكسبو 2020 دبي لشعار «تواصل العقول وصنع المستقبل»، ليسلط الضوء على أهمية التواصل مع الآخرين للوقوف معاً في وجه الصعوبات والتحديات التي تواجه العالم، وأهمية التواصل وإلهام العالم لبناء مستقبل مستدام للأجيال.

تصنيفات «سيكوال»
وحصلت 8 مشروعات للبنية التحتية في إكسبو دبي، على أعلى تصنيفات «سيكوال»، النظام المعترف به دولياً لتقييم الاستدامة في الهندسة المدنية، وهو ما مثل علامة فارقة في مسيرة الحدث العالمي الذي حقق هدفاً طموحاً، في إنشاء إرث دائم بعد انتهاء فعاليات إكسبو، مع تأكيد الالتزام تجاه البيئة، وحماية كوكب الأرض للأجيال المقبلة، وإعادة التدوير وصولاً إلى تعزيز الحلول الطبيعية، مما أسهم في إحداث آثار بيئية إيجابية على النطاق الوطني، والإقليمي، والعالمي، ودعم خطة دبي 2021 ورؤية الإمارات 2021 وأجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة.

نموذج استثنائي
ومن التجارب الملهمة التي عايشها الزائر في إطار ذلك الهدف وستظل مخزنة في ذاكرته، جناح الاستدامة «تيرا»، حيث شكل له نموذجاً استثنائياً للمباني القادرة على توليد احتياجاتها من الطاقة والمياه بنسبة 100%، خاصة أن الشكل الديناميكي للجناح يستمد الإلهام من العمليات الطبيعية، كالتمثيل الضوئي، وهو ما يخدم وظيفته، إذ يستخلص الطاقة من أشعة الشمس ويحصد الماء العذب من رطوبة الهواء.
كما يطلع الزائر على ما تضمنه الجناح من ألواح كهروضوئية لإنتاج الطاقة، بينها 1055 لوحاً مُرتَّبة على مظلة السقف البالغ عرضها 130 متراً وعلى أشجار الطاقة المنتشرة ضمن المناظر الطبيعية، كما تحيط أشجار الطاقة تلك بالمبنى، لتغطية المساحات الخارجية بالظل، وتتبع مسار الشمس لتوليد أكبر قدر ممكن من الطاقة، في حين تستمد مظلة جناح الاستدامة، الإلهام من شجرة الغاف والتي ترمز إلى تجربة الجناح بالكامل، وفي منطقة الجناح، توجد أيضاً تقنية متطورة تُدعى «شجرة المياه»، تستخدم هيكلاً معدنياً عضوياً ومبتكراً، ويمكنها استخلاص الماء من رطوبة الجو كما تمتص الإسفنجة الماء، وتعمل بالطاقة الشمسية بالكامل.

تنوع بيولوجي
وتعرف الزائر أيضاً على التنوع البيولوجي الغني للمنطقة، والطرق المبهرة التي تكيّفت بها الطبيعة مع المناخ القاسي والظروف المليئة بالتحديات، حيث عرض في حدائق الجناح محاصيل جديدة يجري تطويرها للمناخات الجافة، ويمكنها المساهمة في تحقيق أمن المنطقة الغذائي في المستقبل.
تجارب تفاعلية
بمجرد دخول الزائر لجناح الاستدامة، بدأت تجربته التفاعلية الفريدة في التعرف على الطبيعة الثرية في كوكب الأرض، وهناك مثلاً جولة عبر الزمن في الوادي العربي، حيث كانت الفهود والأفيال الضخمة تعيش وتجول، ومجسمات عملاقة مستوحاة من ألعاب معروفة في مدن الملاهي تشرح قضايا الاستدامة ومفاهيمها، بما في ذلك متاهة توازن عملاقة تتطلب من الزائر التعاون لتحقيق التوازن على كوكب الأرض، كما كان للزائر موعد مع جولة تفاعلية عبر جذور الغابة، حيث منحت كل خطوة على شبكة الأخشاب العنكبوتية التواصل والتشارك مع الموارد وغيرها الكثير من التجارب.

قاعات الاستهلاك
ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، فهناك رحلة للزائر في قاعات الاستهلاك، كشفت حجم الضرر الناتج عن اختيارات الإنسان ولقاء مع آلة استهلاك عملاقة تبين كيفية تدمير الموارد الطبيعية لإنتاج المنتجات الاستهلاكية، ولقاء آخر مع سمكة عملاقة من أعماق البحر تعرّض جهازها للتعطل والانسداد بسبب المخلّفات البلاستيكية وغيرها الكثير.

التصدي للتأثيرات
ويهدف جناح الاستدامة (تيرّا) لتسليط الضوء على الحاجة الملحّة للتصدي للتأثيرات البيئية السلبية التي يتسبب بها السلوك البشري بدرجة كبيرة، وذلك عبر تجربة مصممة خصيصاً لتمكين الزوار من فهم أثرهم على البيئة، وبالتالي حثّهم ليصبحوا دعاة للتغيير، ففضلاً عن تصميمه المستدام، يوفر جناح الاستدامة لملايين الزوار تجربة غامرة عبر عجائب الطبيعة تلهمهم لبناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة، حيث يحكي لزواره حكاية علاقة البشر بالطبيعة، وفي الوقت ذاته يعالج الأثر البيئي السلبي الذي يتسبب به إلى حد كبير السلوك البشري، ليساعد الزوار على فهم أثرهم على البيئة وحثهم على تغيير نمط حياتهم للحفاظ عليها. 

مختبر المستقبل 
يعكس مختبر قيم المستقبل الهدف الأساسي من وراء إنشاء جناح الاستدامة، وهو طرح حلول للتحديات والقضايا ومصادر القلق التي تواجهها البشرية فيما يتعلق بالبيئة والتي استعرضها الزائر قبل ذلك خلال جولته، وشملت أيضاً جولة عبر الزمن في الوادي العربي، حيث كانت الفهود والأفيال الضخمة تعيش وتسعى، ومجسمات عملاقة مستوحاة من مزارات رمزية تشرح قضايا الاستدامة ومفاهيمها، ومغامرة تفاعلية في أعماق الغابة، كذلك جولة استكشافية «في أعماق المحيط» لاستكشاف الجمال والأسرار الخفية في المحيط، رحلة في قاعات الاستهلاك، تكشف حجم الضرر الناتج عن اختيارات الإنسان، وغيرها، وسيواجه الزائر سلسلة سيناريوهات «هل يمكنك أن؟» التي تهدف بالأساس لحثه على التفكير في مدى التأثير المباشر للسلوك البشري على كوكب الأرض.

تقنيات وجهود
وبمجرد تجول الزائر في منطقة الاستدامة بعد انتهاء جولته في «تيرا»، فقد تعرف بأم عينيه إلى مجموعة من أكثر التقنيات في العالم تقدماً، وجهود الدول في إعلاء قيمة الاستدامة، مع إمكانية اختبار كيف يمكن للبشر الاستمتاع بالعيش في انسجام مع الطبيعة في مستقبل قائم على التقنية الحديثة، كما خاض تجارب ممتعة مثل القيام بجولة عبر شلال الماء في جناح البرازيل الذي قدم تجربة محاكاة المناظر الطبيعية والأصوات والروائح، والتعرف إلى التنوع البيئي الثري في البلد، كما مكنه من مشاهدة كيفية صنع تربة خصبة باستخراج بخار الماء من الهواء والطاقة الشمسية. واكتشف الزائر في الغابة المطيرة في جناح سنغافورة، الفضاء المموج لحديقة ارتفاعها 9 أمتار والسير في الظلال التي تشكلها أشجار الغابات وخوض مغامرة في الحديقة المعلقة، إلى جانب استكشاف مناطق ذات خصوصية بينها: معمل الطاقة ومعمل مدينة المستقبل ومعمل التنوع البيئي، حيث ساهم الجناح في تزويد الزائر برؤية تقوم على الترويج لمدينة حضارية متطورة تم إنشاؤها وسط الطبيعة، فهي تزخر بالحلول الرقمية المبتكرة والمساحات الخضراء والغابات، وإمكانية تحقيق هدف الوصول إلى استخدام طاقة خضراء خالية من الانبعاثات الضّارة بنسبة 100%.

برج المياه
من تجارب الدول العربية في الاستدامة، فقد قدم جناح الكويت في المعرض رؤية جديدة للزائر حول الاستدامة، وانعكس ذلك من خلال تصميمه الخارجي أولاً والتعرف ثانياً على «برج المياه» الذي تم تصميمه لتخزين المياه المحلاة، والذي يعبر عن رمز الاستدامة في الكويت والأمن المائي، كما قدم الجناح السعودي للزائر أنشطة خاصة باستدامة الطاقة والعلوم والتقنية، وعروض للمشروعات التنموية الكبرى للمملكة في ظل رؤية السعودية 2030، وطبيعتها ومواقعها التراثية المسجلة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

ساحة الوصل
يختتم الزائر جولته مع عرض الطبيعة المقامة كل مساء في ساحة الوصل للاستمتاع بإيقاعات كوكب الأرض والقوة النابضة التي تنبعث عبر جميع أشكال الحياة، بدءاً من قطرة المياه وصولاً إلى خفق جناح فراشة، في عرض مؤثر يشجع الجميع على إيجاد التوازن في العالم الطبيعي.
ونظم الحدث الدولي طوال فترة انعقاده الممتدة لـ 6 أشهر، أسابيع لمجموعة من المواضيع الجوهرية التي تشكل دعامة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، ومن بينها الأمن الغذائي في العالم ودوره في تحقيق النمو الأخضر المستدام، والمناخ والتنوع الحيوي، والفضاء، والتنمية الحضرية والريفية، والصحة واللياقة والغذاء والزراعة وسبل العيش، وأحدث المستجدات في مجالات عدة تشمل المياه والطاقة والإدارة البيئية والتنمية المستدامة وتقنيات ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه والطاقة المتجددة، وغيرها الكثير.