منى الحمودي (أبوظبي)

شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة المحاضرة الرمضانية الثالثة ضمن محاضرات مجلس محمد بن زايد تحت عنوان «مواجهة أهم التحديات العالمية من خلال الابتكار»، قدمها إدوارد يونغ، المؤسس والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا لشركة «إنتلكتشوال فنتشرز»، في الولايات المتحدة الأميركية وذلك في جامع الشيخ زايد في أبوظبي. 
وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في تغريدة على حساب سموه الرسمي على «تويتر» أمس: شهدت محاضرة «إدوارد يونغ» بعنوان «مواجهة أهم التحديات العالمية من خلال الابتكار».. عالمنا مترابط ويعيش تحديات مشتركة…الإمارات تسعى في رؤيتها للمستقبل إلى الاستثمار الأمثل في الطاقات البشرية لتمكينها في ابتكار الحلول النوعية والمستدامة التي تحقق تطلعاتنا وتخدم البشرية».
شهد المحاضرة، سمو الشيخ عبدالله بن راشد المعلا نائب حاكم أم القيوين، وسمو الشيخ نهيان بن زايد آل نهيان رئيس مجلس أمناء مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ خالد بن زايد آل نهيان رئيس مجلس إدارة مؤسسة زايد العليا لأصحاب الهمم، وسمو الشيخ حمدان بن محمد بن زايد آل نهيان، ومعالي الشيخ محمد بن حمد بن طحنون آل نهيان مستشار الشؤون الخاصة في وزارة شؤون الرئاسة وعدد من المسؤولين. 
وتناول إدوارد يونغ، خلال المحاضرة، عدة موضوعات رئيسة والتي تطرّق فيها لأشكال مختلفة من التقنيات ذات الصلة بعالمنا الحديث وتأثيراتها علينا على المدى الطويل، وقدّم تصوره للمستقبل بعد أن يتكيف العالم مع هذه التقنيات التي ستحدث تغييراً جذرياً في حياتنا، بالإضافة للمشكلات وطرق حلها والتعاون بين المؤسسات في ذلك، الطرق الجديدة في التفكير والبحث والتطوير وأهمية النظام الجديد للتغلب على أكبر التحديات العالمية.
وأكد إدوارد يونغ، في مستهل حديثه أن دولة الإمارات من الممكن أن تقود الموجة المقبلة من الابتكار وأنها لن تتبع الموجات السابقة فقط، ويتحقق ذلك من خلال عدة أمور، أهمها الابتكار الذي يعتبر أهم نشاط اقتصادي نقوم به على عكس ما يعتقده الناس، مشيراً إلى أن نظام الابتكار تغير عدة مرات على مدار التاريخ الإنساني ومؤخراً، وآخر ثلاث تغييرات كانت في صالح الولايات المتحدة الأميركية، لكنه تعرض لتغييرات مرة أخرى والموجة التالية قد تشكل فرصة رائعة للإمارات ولدول أخرى.

  • محمد بن زايد خلال المحاضرة وإلى جانبه عبدالله بن راشد المعلا وسيف بن زايد وخالد بن زايد وحمدان بن محمد بن زايد ومحمد بن حمد بن طحنون وكبار الحضور

الخلفية التاريخية
وأشار إدوارد يونغ، إلى أن الكثير من التحليلات أظهرت أن الابتكار هو المحفز الرئيس للنمو وأن نسبة 80-85% من النمو يأتي من الابتكارات الجديدة، ويمثل ذلك تغيراً كبيراً كون أن ذلك الأمر لم يكن حقيقياً وموجوداً منذ 100 عام، وأن هذه الحقيقة قد أدت إلى عصر ذهبي للاختراعات الذي بدأ منذ نحو 100 عام مضت، ويعد كل جهاز حديث وكل صناعة حديثة وكافة مجالات الحياة الحديثة اليوم نتاج تلك الموجة من الاختراعات، سواء الكهرباء، اللقاحات وأجهزة الكمبيوتر وغيرها والتي تم تطويرها واختراعها في تلك الفترة.
ونوه بأن تأثير الابتكار لا يمكن التقليل من قيمته، ولكنه لم يكن متساوياً ولم تشارك فيه الدول بصورة متساوية، حيث إن الابتكارات الحديثة فضلت مناطق من دون غيرها. وعلى سبيل المثال في عام 1800 مثلت الصين والهند نصف إجمالي الدخل القومي العالمي، وكانوا يعتمدون على العمالة بشكل أساسي، وعلى مدار الستين عاماً الماضية تغير الأمر بصورة جذرية وانتقل الدخل القومي للولايات المتحدة من أقل 2% إلى 30% تقريباً.
وقال: «خلال هذه الفترة كان هناك أربع موجات بحد أدنى تغير فيها الابتكار بشكل أساسي، وخلال الفترة التي كان العالم منشغلاً بالتطور الصناعي وبتحسين إنتاجية الدول، فإن معظم الابتكارات كانت تتم من خلال مخترعين أفراد في المعامل.. مثل «نيكولا تسلا»، «هنري فورد» و«بيتر رايت»، وهم مجرد أشخاص باحثين يعملون في مختبرات ومعامل خاصة، عملوا على الاستثمار في وضع الهيكلة، بناء الطرق والقطارات والسفن وخطوط الكهرباء، مما كان له دور كبير في تحويل الابتكار للتصنيع ومراكز الأبحاث والتطوير الخاصة بالقطاع الصناعي والذي استمر عشرات السنين.»
وأضاف: «بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك صعود لطبقة المستهلكين وكان لابد من تصنيع منتجات تكفي لمئات الملايين من الناس، مثل أجهزة التلفاز، الكاميرات، السيارات، وبدأنا ننتقل لمستوى أعلى في مجال الابتكار على مستوى الدول».
وتابع: «انتقل بعدها الابتكار المتعدد الجنسيات، وذلك بعد الحرب الثانية، حيث تم نقل المخترعين لميدان آخر، ليتضح بعدها أن الابتكار المتعدد الجنسيات لم يعد كافياً، وبدأت تأتي شركات ناشئة جديدة، مفهومها التركيز على الابتكار بصورة أكبر، وهو الأمر الذي مثل الموجة الرابعة من التطور في الابتكار».
ويرى «إدوارد يونغ»، أن العالم بحاجة إلى أنموذج جديد للابتكار ونظام جديد للمحفزات، وتطوير التكنولوجيا، والتمويل، والبحث والتطوير لمواجهة التحديات العالمية الكبرى في عالمنا اليوم، مثل بناء مدن فعالة، وتغيّر المناخ، والتعليم، والشيخوخة. 
وقال: «أصبح العالم أكثر قدرة على صناعة حلول تكنولوجية أصغر حجماً، وإن اقتصاد الشركات الناشئة أصبح قادراً على حل المشكلات المستهدفة ببراعة، ولكن الكثير من المشكلات التي تواجهنا الآن تفوق إلى حد كبير قدرة الشركات المنفردة، مضيفاً بأن الحكومات كانت في الماضي تتدخل وتحاول توحيد جهود عدد من الشركات معاً، لكن هذا نادراً ما يحدث الآن، وفي حين أن الشركات قد تتوسع فتصبح قادرة على تنفيذ مشاريع كبيرة خاصة بها، إلا أن من الصعب جداً عليها الدخول في مشاريع تكاملية كبيرة جداً، مما يؤثر على سير الاختراعات».
وذكر أن الخطوة المنطقية التالية في صناعة التكنولوجيا هي نشوء اقتصاد ابتكار تعاوني متخصص يقوم فيه مهندس رائد بأعمال التنسيق لتقسيم المشاريع الضخمة إلى أجزاء وتوزيعها على شركات مختلفة لأن «المشكلات الحضارية الكبرى تفوق قدرة أي شركة بعينها». مشيراً إلى أن الابتكار هو المفتاح لحل مشكلات البشرية، إلى صناعة الطيران باعتبارها أنموذجاً عملياً لمثل هذا النوع من الابتكار من القمة إلى القاعدة.

  • محمد بن زايد والشيوخ وجانب من الحضور يستمعون إلى إدوارد يونغ خلال المحاضرة

مدن مُبتكرة
وذكر «إدوارد يونغ»، أنه من المتوقع أن تؤدي الشركات دوراً تنسيقياً في مشاريع كبرى، مثل بناء المدن الضخمة لإسكان مليارات الناس الذين سينتقلون من الريف إلى المدن خلال العقود القليلة القادمة، ويقول إن عدد المدن التي يتم بناؤها اليوم أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، وتكلف بعض مشاريع المدن هذه عشرات المليارات من الدولارات. لافتاً إلى أن المدن يتمّ بناؤها غالباً مثل أي مدينة أخرى في الماضي، مع الالتزام إلى حد كبير بنفس المخطط.
ويعتقد أن ذلك يمثل فرصة لظهور كمٍ هائل من الابتكارات الجديدة، لأن كل مدينة هي أساساً بنية تحتية اقتصادية للابتكار، ويجب أن يتم بناء مدينة باستخدام الابتكارات الجديدة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يقلل من تكلفة نشر الابتكارات ويزيد من الطلب على الابتكارات. كما يعتقد أنه إذا صممنا مدينة بشكل مختلف قليلاً، فيمكننا أن نسهّل ربطها بأشياء جديدة وفصل العناصر القديمة عنها، بنفس السهولة التي نشتري بها التطبيقات من متجر «آبل ستور». 
ويرى «إدوارد يونغ»، أن هناك مشكلة أخرى يجب حلها بدور مهندس الابتكار، وهي مشكلة شيخوخة سكان العالم، حيث لهذه المشكلة وجهان، وهما ارتفاع تكلفة رعاية المسنين، حيث إنه كلما زاد عمر الأشخاص ارتفعت تكاليفهم الطبية، والوجه الآخر هو تقلص عدد العمال المنتجين الذين يدفعون تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة، ويقول إنه يتعين علينا خفض النفقات وزيادة الإيرادات لمعالجة وجهي المشكلة. 
ويرى «يونغ» أنه يمكن للشركات أداء وظيفة غير عادية، من خلال ابتكار الاختراعات في مختبراتها الخاصة، والعمل مع شبكة من المخترعين، والاستثمار في الشركات الناشئة، والشراكة مع الحكومات، بأن تكون بمثابة مهندس التخطيط الأساسي الذي ينسّق الابتكارات التي تسهم في حل المشكلات العالمية الكبرى.

  • محمد بن زايد وإلى جانبه المحاضر وفي الصورة سلطان الجابر

إضاءة
إدوارد يونغ، المؤسس والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا لشركة «إنتلكتشوال فنتشرز»، يعد واحداً من أفضل 12 مخترعاً في العالم من حيث عدد براءات الاختراع، وحاصل على أكثر من 1200 براءة اختراع أميركية في مجالات عديدة، ومؤسس شركة «إنتليكتشوال فنتشرز» التي تعد أكبر صندوق استثماري للاختراعات في التاريخ، وشغل سابقاً منصب كبير المهندسين في شركة «مايكروسوفت» 1999، حيث كان يدير استراتيجية البحث والتطوير الداخلية، وأسس أكثر من 12 شركة ناشئة، وقدم خدماته الاستثمارية بشأن الابتكار إلى العديد من المؤسسات، بما فيها كلية الطب بجامعة هارفارد، معهد فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، ونشر بحثاً أكاديمياً حول بنية ووظيفة البروتين في الثمانينيات في منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم والكيمياء الحيوية، والمجلة الفيزيائية الحيوية وغيرها، مستفيداً من التدريب الذي تلقاه في الفيزياء الرياضية والفيزياء الحيوية.

  • عبد الله المعلا ونهيان بن زايد وخالد بن فيصل

قوة المجموعة
أكد إدوارد يونغ أن الابتكار في المستقبل يمثل طريقة جديدة في العمل، وأن قوة المجموعة بدلاً من الفرد هي الأمثل، ولابد من وجود نظام يضم عدداً كبيراً من المخترعين والمختبرات والقادة والمصنعين الذين تتضافر جهودهم على المستوى الدولي لحل المشكلات سوياً. 
وقال: في مستوي معين حدث ذلك عبر الإنترنت، والذي يعتبر ليس ملكاً لشركة واحدة، وقدمت الشركات عشرات الآلاف من المبرمجين والمهندسين، مما أدى لخلق أنظمة جديدة في مجال الابتكار وتطويره».
وأضاف: «من أحدث الأمثلة في ذلك السياق بالتعامل مع مسألة الأبحاث والتطوير، هي مواجهة جائحة كوفيد-19، وهو مثال على الانتقال من قوة الفرد إلى قوة المجموعة، وذلك في مسألة تصنيع اللقاح، حيث كنا أسرع بعشرين مرة عن ما سبق، وخمس مرات مضاعفة في الأبحاث عالمياً، وعشرة أضعاف التجارب السريرية، وهو الأمر الذي يوضح أن هناك آليات جديدة للعمل، حيث شاركت كل الدول في البحوث وخلقت نظاماً جديداً ومثالاً جديداً، حين تم تحدي العالم من خلال آلية جديدة انبثقت وسمحت بمشاركة غير مسبوقة، وهو اتجاه جديد نراه اليوم، وهو الحاجة بشكل تنافسي للسرعة والابتكار».

  • سيف بن زايد وخالد بن زايد وجانب من الحضور

عصر جديد
تطرق إدوارد يونغ، خلال حديثه إلى أن الابتكار لم يعد موزعاً على قوة الواحد، وأن الولايات المتحدة الأميركية التي اعتادت أن تكون الأولى في مؤشرات الابتكار في كافة أنحاء العالم.. وضعها مؤشر «بلومبيرغ»  العام الماضي في المرتبة الحادية عشرة، وكانت الكثير من الدول في المراتب العشر الأولى مثل فلندا والدنمارك وإسرائيل وسنغافورة هي دول صغيرة، والتي تعتبر تنافسية كثيراً فيما يتعلق بالابتكار. ولفت إلى أن العالم يدخل عصراً جديداً من الابتكار وهو بأهمية العصر الذهبي الذي تم ذكره سابقاً، ولكن الابتكار في هذا العصر يستخدم محتوى وأدوات مختلفة مثل الذكاء الاصطناعي، المواد الغذائية الجديدة والعملات المشفرة، مما يعتبر نمواً كبيراً للمستقبل ولابد من إدراك أن هذه الابتكارات مختلفة عن القديمة، وهي بنفس الوقت خطيرة. لافتاً أن العملات المشفرة والجينات والأمور مماثلة لديها إمكانية خلق معوقات اجتماعية أكثر من البلاستيك وشبه الموصلات وغيرها. وشدد على أنه يجب العمل على أن تكون التكنولوجيا والابتكارات قيمة تنتج وتستطيع أن تخلق أثراً كبيراً وهائلاً، والابتعاد عن تعزيز أرباح قوة الفرد الرأسمالية بتعزيز السلوكيات السيئة، والتي تصنع أعمالاً تدر أموالاً مثل التدخين وغيرها.

  • حصة بنت محمد بن حمد وسلامة بنت محمد بن حمد

قفزات كبيرة
في ختام حديثه، أكد إدوارد يونغ أن القفزات الكبيرة التي شهدناها في مسيرة التكنولوجيا مؤخراً تتيح لنا العديد من الفرص التي يمكن الاستفادة منها، وعلى الجميع مواجهة بعض التحديات وإيجاد حلول لها. بالإضافة لأهمية تعاون المؤسسات مع بعضها بعضاً لحل أكبر التحديات العالمية والابتعاد عن الفكر الفردي في حلها، وأن هناك فرصة كبيرة للمجتمعات والدول الصغيرة في خلق بيئة جاذبة ومحفزة للابتكار تدعمها التشريعات المرنة والروابط الاجتماعية القوية.
 وعرضت خلال المحاضرة عدة مشاركات مسجلة عبر الفيديو لمسؤولين ومختصين تحدثوا عن بعض الجوانب التي تتعلق بموضوعها. كما عرضت مشاركات مرئية عبر الفيديو للدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة؛ وخلفان بلهول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل؛ والبروفيسور إريك زينغ، رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.. واستعرض المتحدثون كيف تبنّت دولة الإمارات واستثمرت في مختلف التقنيات والابتكارات، وعرضوا وجهات نظرهم حول أهمية التكنولوجيا.

  • خلفان بلهول وجانب من الحضور