شروق عوض (دبي)

تواصل دولة الإمارات جهودها الكبيرة للحد من الانبعاثات وتخفيف حدة التحديات المناخية الحالية، وذلك نتيجة إدراكها المبكر لمسألة تسبب الاحتباس الحراري في نقص الغذاء العالمي والمحلي معاً، خاصة في ظل تأكيدات التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، قبيل انطلاق قمة شرم الشيخ «COP27»، على الحاجة لتخفيضات سريعة ودائمة للانبعاثات في صناعات إنتاج الأغذية والتي تمثل حوالي ثلث غازات الاحتباس الحراري، وضرورة العمل في مجالات حماية النظم البيئية الطبيعية والتغييرات الغذائية وتحسين إنتاج الغذاء على مستوى المزارع وإزالة الكربون من سلاسل الإمداد الغذائي، لما لهذه المجالات الدور الأبرز في تقليل انبعاثات النظام الغذائي بحلول عام 2050 إلى حوالي ثلث المستويات الحالية.
وتسلط «الاتحاد» الضوء علي جهود الدولة في هذا الشأن عبر التركيز على منظومة الاقتصاد الدائري في عدد من القطاعات ذات الأولوية وهي التصنيع المستدام، وإنتاج واستهلاك الغذاء المستدام البنية التحتية الخضراء، والنقل المستدام، حيث تعد المنظومة نموذجاً ملهماً لتعزيز أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامين التي تقلل من الإجهاد البيئي، وإزالة الكربون من القطاعات المختلفة، مما يساهم في تسريع وتيرة العمل للوصول للحياد المناخي في الدولة بحلول 2050، وتعمل القيادة الحكيمة لدولة الإمارات من خلال رؤيتها الثاقبة والمستشرفة للمستقبل على اعتماد وإطلاق العديد من المبادرات ليس فقط على صعيد منظومة الاقتصاد الدائري، وإنما طالت التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وزيادة الاهتمام بمنظومة الاقتصاد الأزرق، وتعزيز توجه تحول الطاقة، واعتماد تطبيق معايير الاقتصاد الدائري والتعافي الأخضر، ما يساهم بقوة في تحقيق هدف مئوية الإمارات بأن تكون أفضل دولة في العالم، ويضمن تحقيق مستقبل أفضل للأجيال الحالية والمقبلة.

الريادة البيئية
وجاء تبني سياسة الاقتصاد الدائري في إطار التزام دولة الإمارات بتحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، إذ تسهم السياسة بشكل كبير إلى تحسين الصحة البيئية ودعم القطاع الخاص في تبني وسائل إنتاجية نظيفة وتقليل استنزاف الموارد البيئية الطبيعية وتحقيق رؤية الإمارات التي تهدف من خلالها إلى أن تكون رائدة بيئية في مجال التنمية الخضراء.
وينتج عن تعزيز الانتقال نحو نموذج الاقتصاد الدائري المساهمة بفاعلية في تحقيق منظومة التنمية الاقتصادية المستدامة التي تستهدفها دولة الإمارات، والتي تضمن مواصلة النمو بمعدلات متزايدة مع ضمان حماية البيئة والحفاظ على مواردها الطبيعية وتحقيق استدامتها، بالإضافة إلى تعزيز جهود خفض الانبعاثات والسعي لتحقيق الحياد المناخي.

موقع استراتيجي
خلال الفترة الماضية، عززت دولة الإمارات من موقعها الاستراتيجي في منظومة الاقتصاد الدائري، من خلال إطلاق مجموعة من السياسات والمبادرات والبرامج التي تستهدف دعم الجهود العالمية، وبما يخدم الجهود الدولية في مواجهة التحديات البيئية وتحسين جودة حياة الشعوب في مختلف أنحاء العالم، تحقيقا لأهداف التنمية المستدامة، كما عملت الدولة على استثمار الفرص الواعدة، وتوظيف الابتكارات والتقنيات الحديثة لإيجاد حلول وخدمات ومنتجات تدعم استدامة النمو وتدفع عجلة الاقتصاد العالمي نحو مزيد من الازدهار.

سياسة الاقتصاد الدائري
ومن جهود الدولة في منظومة الاقتصاد الدائري، إطلاق سياسة الاقتصاد الدائري (2021 - 2031) والتي تعد إطاراً شاملاً يحدد اتجاهات دولة الإمارات في تحقيق الإدارة المستدامة والاستخدام الفعال للموارد الطبيعية، من خلال تبني أساليب وتقنيات الاستهلاك والإنتاج، بما يضمن جودة حياة الأجيال الحالية والمستقبلية، وتعزيز كفاءة استهلاك الموارد الطبيعية وتقليل الهدر.
وتعد السياسة نموذجاً اقتصادياً لتحديد اتجاهات الدولة في تحقيق الإدارة المستدامة والاستخدام الفعال للموارد الطبيعية، من خلال تبني أساليب وتقنيات الاستهلاك والإنتاج المستدامين، بما يضمن جودة حياة الأجيال الحالية والمستقبلية، وتقليل استخراج الموارد الطبيعية وتحسين كفاءة استخدامها، والحد من النفايات الاستهلاكية والصناعية وتمديد دورة حياة المواد والمنتجات، من خلال تبني تدابير صديقة للبيئة.

مسرعات
ضمن خطة مسرعات تطبيق نموذج الاقتصاد الدائري، تم عقد اتفاقيات مع الشركات الناشئة ذات الطموح العالي في مجال الاقتصاد الدائري بالدولة، مثل شركة إسمنت الاتحاد، لاستخدام الوقود البديل المنتج من محطة معالجة النفايات البلدية الصلبة في إمارة أم القيوين بشكل جزئي للعمليات التشغيلية في مصانعها، ومصنع لوتاه للوقود الحيوي لتحويل زيوت الطبخ إلى وقود حيوي يتم استخدامه في إنتاج الطاقة، وشركة «سولين» المتخصصة في الأبحاث والتطوير في عمليات إنتاج البروتين، بعيداً عن الزراعة بشكل تام، واعتماداً على مجموعة من العمليات باستخدام الهواء والكهرباء كمواد خام للتصنيع والإنتاج، وباستخدام موارد مياه أقل 1000 مرة مما هو مطلوب لإنتاج البروتين من لحوم الماشية، وأقل 100 مرة من إنتاج البروتين النباتي، وشركة «ايفو أند كو» والمتخصصة في الحد من استخدام البلاستيك عن طريق استبداله بمواد تصنيع جديدة مستمدة من الطبيعة مثل الأعشاب البحرية وقش الأرز ومخلفات قصب السكر، و«مختبر ميميكا» والذي ينتج ملصقات ذكية - منخفضة القيمة - حساسة لتحديد صلاحية الطعام عبر قياس درجات الحرارة ومتابعة درجة نضارة الطعام، بهدف تعزيز الحد من هدر الغذاء.

مركز عالمي
لترسيخ مكانة دولة الإمارات مركزاً عالمياً رائداً في تطبيق نموذج الاقتصاد الدائري باعتباره أحد محركات النمو الاقتصادي المستدام خلال المرحلة المقبلة، يعد تعزيز ممكنات التحول نحو نموذج الاقتصاد الدائري في الدولة من خلال التعاون الوثيق بين القطاعين الحكومي والخاص، أحد المسارات الرئيسية التي يقودها مجلس الإمارات للاقتصاد الدائري والمرتكزة على شراكة حقيقية مع القطاع الخاص في الدولة لاستكشاف الفرص وطرح الحلول وتطوير السياسات اللازمة.

خطط تحفيزية
في إطار جهود الدولة لتعزيز منظومة الاقتصاد الدائري، تم إطلاق مبادرات جديدة موزعة على استراتيجيات ولجان متخصصة بهذا الجانب، مثل الاستراتيجية الصناعية في أبوظبي الهادفة إلى تبني سياسات وخطط تحفيزية صديقة للبيئة، وتعزيز تحول الإمارة للاقتصاد الدائري، والاستفادة من القطاع الصناعي الذي يحفز ويشجع على رفع مستوى المسؤولية في الإنتاج وترشيد الاستهلاك من خلال معالجة النفايات وإعادة التدوير والتصنيع الذكي، وإطلاق لجنة للاقتصاد الدائري ضمن المجلس الأعلى للطاقة في دبي، لتكون منصة تجمع مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص التي تدعم الاقتصاد الدائري، إضافة إلى إطلاق سلسلة من الجلسات الحوارية؛ بهدف توفير منصة اجتماعات لكافة الجهات المعنية وأصحاب المصلحة لتبادل المعارف والخبرات وبناء القدرات واستكشاف فرص تعزيز ممارسات الاقتصاد الدائري في القطاعات ذات الأولوية.
وتمضي دولة الإمارات قدماً خلال الفترة المقبلة، لترسيخ منظومة الاقتصاد الدائري، من خلال إطلاق المبادرات النوعية التي تعزز الاستدامة، وترسخ من مكانة الدولة الاستراتيجية، باعتبارها إحدى الدول الرائدة عالمياً في الاقتصاد الدائري، بوجود منظومة متكاملة وسياسات داعمة لتحقيق المستهدفات، وبما يخدم في نهاية المطاف تسريع وتيرة العمل للوصول للحياد المناخي في الدولة بحلول 2050.

الحد من الإجهاد البيئي
وتضم سياسة الاقتصاد الدائري عدداً من الأهداف الرئيسية، أهمها تعزيز الصحة البيئية، ودعم القطاع الخاص في تحوله إلى تبني أساليب وتقنيات الإنتاج الأنظف، والحد من الإجهاد البيئي، وتلبية الاحتياجات الأساسية، وصولاً لتحقيق رؤية الإمارات بأن تكون أحد الرواد العالميين في مجال التنمية الخضراء، كما تتضمن السياسة مجموعة من الأهداف الرئيسة، من أهمها تعزيز الصحة البيئية، ودعم القطاع الخاص في تحوله إلى تبني أساليب وتقنيات الإنتاج الأنظف، إضافة إلى الحد من الإجهاد البيئي، وتلبية الاحتياجات الأساسية، وصولاً لتحقيق رؤية الإمارات بأن تكون أحد الرواد العالميين في مجال التنمية الخضراء.

فوائد بيئية واجتماعية
وتعول دولة الإمارات على مساهمة سياسة الاقتصاد الدائري في تحقيق عدة فوائد اقتصادية وبيئية واجتماعية، أهمها تحقيق زيادة القدرة التنافسية، وتحفيز الابتكار، وتعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتخفيف الضغط البيئي، وزيادة الدخل المتاح، من خلال خفض تكلفة المنتجات والخدمات ورفع الإنتاجية، وخفض الطلب على المواد الخام، وخفض معدلات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتعزيز الآثار الإيجابية الناتجة على العمالة، وتحسين جودة الحياة، من خلال زيادة فرص الحصول على المزيد من السلع والخدمات، وتحسين الصحة العامة، من خلال الحد من التلوث، والحصول على أغذية صحية ومغذية.

مجلس للاقتصاد الدائري
عززت الدولة جهودها الخاصة بمواجهة التحديات المناخية، بتشكيل مجلس الإمارات للاقتصاد الدائري، لتحقيق أهداف عدة، أهمها تعزيز التعاون الدولي والشراكات الدولية في ما يخص تطبيق الاقتصاد الدائري على المستوى العالمي، والإشراف على إعداد آلية تطبيق سياسة الاقتصاد الدائري بالتنسيق مع الجهات كافة، واعتماد مؤشرات الأداء الخاصة لتنفيذ السياسة، وتعزيز وتطوير الدراسات والبحوث العلمية في المجالات ذات الصلة بالاقتصاد الدائري، إضافة إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص في المشاريع والمبادرات والبرامج ذات الصلة بالاقتصاد الدائري.
واعتمد المجلس مؤخراً 22 سياسة والتي تركز على تسريع وتيرة تنفيذ نموذج الاقتصاد الدائري في دولة الإمارات ضمن أربعة قطاعات رئيسية، تشمل التصنيع والغذاء والبنية التحتية والنقل، إضافة إلى تحديد ما لا يقل عن 16 نشاطاً يمكن تبنيها كفرص أعمال مجدية في أجندة الاقتصاد الدائري، حيث تنطوي هذه النشاطات على الكثير من الفرص للشركات، مثل إعادة تدوير نفايات النسيج إلى منتجات جديدة، وتطوير حلول آلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة النفايات، وإعادة تصنيع النفايات الإلكترونية، كما يضم المجلس 17 ممثلاً عن الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية ذات الصلة وشركات القطاع الخاص والمنظمات الدولية.