طه حسيب (أبوظبي)

 المفهوم الحقيقي للاستدامة تلخصه عبقرية البساطة التي اتسم بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بقوله: (إننا نولي بيئتنا جُل اهتمامنا لأنها جزء عضوي من بلادنا وتاريخنا وتراثنا.. لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض للمحافظة عليها، وأخذوا منها قدر احتياجاتهم فقط وتركوا ما تجدُ فيه الأجيال القادمة مصدراً ونبعاً للعطاء). هذه المقولة الرائعة رأيتها في مركز الشيخ زايد لعلوم الصحراء بمدينة العين.
انطلاقاً من رؤية واضحة، وضعت الإمارات منذ عام 2012 استراتيجيتها للتنمية الخضراء، فتحت عنوان «اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة»، أرست الدولة 6 مسارات تتضمن الطاقة الخضراء، وتشجيع الاستثمارات في مجال الاقتصاد الأخضر، ومسار المدينة الخضراء المرتكز على تخطيط عمراني يحافظ على البيئة في مواصفات البناء والنقل وجودة الهواء، ومسار التعامل مع تحديات التغير المناخي، خاصة الحد من الانبعاثات، وتشجيع الزراعة العضوية، ومسار الحياة الخضراء، بما يتضمنه من ترشيد استخدام موارد الماء والكهرباء والموارد الطبيعية وإعادة التدوير، ومسار التكنولوجيا والتقنية الخضراء، وسيركز هذا المسار في مرحلته الأولى على تقنيات التقاط وتخزين الكربون، بالإضافة إلى تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة.
 نهج استباقى بادرت به الإمارات ليتسق لاحقاً  مع الرؤى العالمية، ففي 25 سبتمبر 2015، اعتمدت 193 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة أجندة التنمية المستدامة 2030، والتي تضمنت حزمة من الأهداف العالمية الجريئة الجديدة، اعتبرها الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بان كي مون رؤية شاملة ومتكاملة وتحويلية من أجل عالم أفضل. ومن بين الأهداف السبعة عشر التي تضمنتها الأجندة، يأتي الهدف رقم 11 المتمثل في بناء مدن ومجتمعات محلية مستدامة.

استدامة المدن.. خيار حتمي 
تشير الإحصاءات الحالية إلى أنه بحلول عام 2030، سيعيش أكثر من 60% من سكان العالم، أي 5 مليارات شخص، في المدن، ومن أجل التعامل مع هذه الزيادة السريعة في عدد سكان العالم، ليس أمام المدن خيار سوى أن تصبح مستدامة.
مسيرة التنمية في الإمارات تتسم بالاستباقية، وفي الوقت نفسه مواكبة أحدث التوجهات العالمية، وهذا ما يظهر بوضوح من خلال قيام «اللجنة الوطنية لأهداف التنمية المستدامة» في عام 2017 بمواءمة مستهدفات الأجندة الوطنية لدولة الإمارات مع الأجندة العالمية للتنمية المستدامة. 
وضوح الرؤية لدى القيادة الإماراتية ومواكبتها للمستجدات العالمية في التخطيط العمراني يتجسد في برنامج «استدامة» التي أطلقها مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني في مايو 2008 بصفته الجهة المسؤولة آنذاك عن مستقبل البيئة العمرانية لإمارة أبوظبي، وهي تهدف إلى تحقيق توازن مناسب بين الضرورات البيئية والاقتصادية والاجتماعية للارتقاء بنوعية الحياة، وتجدر الإشارة إلى أن المبادرة ترتكز على أربعة محاور للاستدامة: البيئية والاجتماعية والاقتصاد والمجتمع والثقافة، والهدف المباشر منها يتمثل في اتخاذ خطوات ملموسة للتأثير على جميع المشاريع قيد التصميم والتطوير والإنشاء في إمارة أبوظبي.
وتشير دائرة البلديات والنقل في إمارة أبوظبي إلى أن «فكرة تأسيس برنامج استدامة نشأت بناءً على الحاجة إلى تطوير مشاريع عمرانية، والعمل على إعدادها وتصميمها وبنائها وتشغيلها على النحو المستدام الأمثل، مع مراعاة التقاليد الموروثة والراسخة في الثقافة المحلية من ناحية، وطبيعة المناخ الصحراوي القاسي للمنطقة من ناحية أخرى». 

برنامج «استدامة»
ومن المهم التطرق لنظام درجات اللؤلؤ الذي بدأ تطبيقه في الإمارة منذ عام 2010 لإلزام المقاولين وفرق التصميم بأساليب تحقق تطلعات برنامج «استدامة» في التخطيط والتصميم. وهناك معايير عالمية لتقييم المباني بدأها المجلس العالمي للمباني الخضراء، وطورت بعض الدول معايير خاصة بها، فهناك معايير بريطانية وإسبانية وفرنسية وأسترالية. وضمن هذا الإطار، يوجد نظام BREAM من أقدم أنظمة تقييم أداء المباني الذي ظهر عام 1990، ويتضمن النظام بنوداً إلزامية وأخرى مرنة، ويتم التقييم من خلال النجوم، 6 نجوم لأفضل أداء، يليها 5 و4 نجوم ويركز على ترشيد الطاقة، والحد من ثاني أكسيد الكربون وترشيد استهلاك وتدوير النفايات، والحد من التلوث واستخدام الموارد والمياه. ولدى أبوظبي «درجات اللؤلؤ» كأول معيار عربي لقياس استدامة المباني، ويحاكي LEED، لكنه عُدّل ليوائم ثقافة مدينة أبوظبي. المعيار تم الإعلان عنه عام 2008 من قبل مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني (أصبح اسمه الآن دائرة التخطيط العمراني والبلديات)، ونص قرار المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي الصادر عام 2010 على أنه يجب أن تستوفي المباني الجديدة كلها المعايير الخاصة بالحصول على التقييم بدرجة لؤلؤة واحدة على الأقل، وأن تلتزم المباني الحكومية بدرجة «لؤلؤتين»، وتم دمج معايير نظام «درجات اللؤلؤ» مع كود أبوظبي الدولي للبناء. النظام يتكون من 7 نقاط إلزامية وأخرى اختيارية. والحصول على تقييم (لؤلؤة واحدة) يتطلب تحقيق البنود الإلزامية فقط، والحصول على لؤلؤتين يتطلب الالتزام بالبنود الإلزامية، إضافة إلى 60 بنداً اختيارياً، والثلاث لآلئ يتم الحصول عليها بتطبيق البنود الإلزامية، إضافة إلى 85 بنداً اختيارياً، والأربع لآلئ تتطلب البنود الإلزامية، إضافة إلى 115 اختيارية، واللآلئ الخمس الحصول عليها مشروط بتحقق البنود الإلزامية، إضافة إلى 140 بنداً اختيارياً. وفي عام 2010، وافق مجلس الوزراء على اعتماد معايير البناء الأخضر ومعايير البناء المستدام ليتم تطبيقها في جميع أنحاء الإمارات، وتوجد معايير للأبنية الخضراء في دبي «نظام السعفات» منذ عام 2016، وشروط المباني الخضراء في رأس الخيمة «بارجيل».

4 عوامل رئيسية
ويتضح أن مبادئ الاستدامة التي تنتهجها الإمارات في تخطيط المدن تتفوق على نظيرتها في العالم، خاصة وأنها ترتكز إلى عوامل بيئية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ويمكن إدراك هذا المنحى الاستباقي الشامل في التخطيط العمراني، عندما نطالع التقرير السنوي الذي تصدره مؤسسة «أركاديز» المتخصة في التصميم والتشييد- التي تم تأسيسها عام 1875 بمدينة أمستردام الهولندية- واسمها مستمد من كلمة Arcadia في الأساطير الإغريقية القديمة ومعناها (أفضل مكان في الأرض). تقرير «أركاديز» السنوي يقدم رؤية شاملة لمدى اقتراب المدن من معايير الاستدامة بيئياً واقتصادياً واجتماعياً، وفق مؤشر عام يضع هذه المعايير في حزمة واحدة.
يقول جون جي. باتين، المدير العالمي للمياه والمدن بمؤسسة «أركاديز» المتخصصة في التصميم والبناء إن استدامة المدن تتحقق بطرق جديدة ومختلفة تماماً، والطريقة المثلى لفهم استدامة أية مدينة بطريقة حقيقية هي الجمع بين الأبعاد الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، لتشكيل رؤية شاملة لكل مكان وموقعه على مقياس الاستدامة، وعندئذٍ فقط يمكننا الحصول على صورة واضحة بشأن ما إذا كانت المدينة مستدامة أم لا، ما يعكس هدف المؤسسة المتمثل في إيجاد بيئة أفضل للناس للعيش والنماء، وبالطبع تؤثر الضغوط المتزايدة مثل نقص المياه والتغير المناخي، وأسعار المساكن، وعوامل التوظيف على جودة الحياة، ولا يمكن أن تكون لأية مدينة هوية فريدة من دون سكانها، عملاً بمقولة ويليام شيكسبير بأن «المدينة ليست إلا سكانها»، فقاطنوها هم قلبها النابض.
الدور الاجتماعي في التنمية الحضرية ظهر بوضوح في مبادرة «تخيل أبوظبي» التي انطلقت في مارس 2017 ضمن فعاليات الاحتفال باليوبيل الذهبي لحكومة أبوظبي، والتي استقبلت أفكاراً جديدة ومقترحات تطويرية لإمارة أبوظبي من أفراد المجتمع كافة لمدة خمسين يوماً. والدعوة للمشاركة في المبادرة تضمنت مشاريع عمرانية أو حملات ومبادرات اجتماعية أو اتجاهات لتطوير الخدمات الحكومية الحالية أو الاستثمار في الإمارة.

الاستدامة..مفهوم يتطور
ارتبط مفهوم الاستدامة للمرة الأولى بحماية الغابات ضماناً التنوع البيولوجي، وتبلور ليشير إلى حماية حق الأجيال المقبلة في التنمية.  وخلال قمة ريو دي جانيرو عام 1992، إشار المبدأ 3 في إعلان «ريو» إلى الحق في التنمية كضرورة ينبغي تحقيقها بحيث تلبي المتطلبات التنموية والبيئية للأجيال الحاضرة والقادمة بشكل منصف. مفهوم التنمية المستدامة ظهر للمرة الأولى عام 1987 في تقريرٍ صادر عن المفوضية العالمية للبيئة والتنمية بعنوان «عالمنا المشترك». وفي كتابهما المعنون بـ «بيان للمدن المستدامة»، يتبنى «جيرمي جينز» الناقد الألماني المتخصص في الهندسة المعمارية والصحفي النمساوي ستيفان جاغر، مقولة مفادها أن «التصرف محلياً بطريقة مستدامة يتضمن بالتأكيد التفكير وفق إطار عالمي طالما أن الهدف من الاستدامة هو تطبيقها على كوكب الأرض بأكمله»، وهما بذلك يربطان تخطيط المدن المستدامة بالتخطيط العمراني السليم وأيضاً بمسائل أخرى أوسع نطاقاً مقابل التغير المناخي، وما يتطلبه من تخفيض الانبعاثات وتقليل هدر الطعام وتوفير المياه النظيفة، وعلى هذا النحو ازتبطت الاستدامة في المدن بالتخطيط العمراني.
 وكان ديفيد ساتيرثويت، زميل المعهد الدولي للبيئة والتنمية في لندن قد كتب مقالاً  في أكتوبر 1997 بعنوان «المدن المستدامة والمدن التي تساهم في التنمية المستدامة»،مستنتجاً أن المدينة الناجحة هي  التي تكفل حياة صحية وبيئات للعمل وتوفر بنية تحتية للخدمات الأساسية. التعريف تطور ليركز على جعل الاستدامة تتمحور على استخدام الموارد في الوقت الحاضر دون المساس بتوافرها في المستقبل.

الإنتاج المحلي للغذاء
ومع الاتجاه التصاعدي لسكان المدن، من المهم أن يتم توفير الغذاء لساكنيها، من منطقة قريبة، حفاظاً على الطاقة التي عادة ما يتم هدرها في نقل المنتجات الزراعية، وهذا المنطق يؤيده المعماري الألماني ألبرت سبير، مستنداً فيه إلى حكمة صينية، ففي عام 250 قبل الميلاد أفصح حكيم صيني عن قناعته بأنه لا ينبغي السماح بقيام أي مدينة في الإمبراطورية الناشئة ما لم يكن حول هذه المدينة الناشئة أراض كافية تضمن إطعام سكانها، ووفق هذا التصور لا يمكن وجود مدينة مستدامة دون قاعدة زراعية، والتطوير الحضري المستدام لا يستمر من دون قاعدة زراعية. وضمن هذا الإطار، أطلق مجلس الوزراء في 28 يونيو 2020 «النظام الوطني للزراعة المستدامة» لتحقيق أهداف أهمها: زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية بنسبة 5% سنوياً، وتوظيف التقنيات المتقدمة لرفع الإنتاجية وزيادة القوى العاملة في المجال الزراعي بمعدل يبلغ 5% سنوياً، وترشيد كمية المياه المستخدمة في القطاع الزراعي، وتحسين المردود الاقتصادي للمزارع. ونجحت الإمارات في اتخاذ خطوة استباقية من خلال تعيين أول وزيرة للأمن الغذائي في العالم، وجاء الإعلان عن «الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي» في نوفمبر 2018 ليعكس الاهتمام الكبير بإنتاج الغذاء المستدام.

الأكثر استدامة عالمياً 
تتصدر مجموعة مدن في دولة الإمارات قائمة المجمعات العمرانية الأكثر استدامة على مستوى العالم، ومن أبرزها مدينة «مصدر» في أبوظبي التي تلتزم بتحقيق متطلبات تصنيف «3 لآلئ» كحد أدنى بموجب نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ للمباني التابع لبرنامج «استدامة» في أبوظبي، فيما يعد المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) الذي تستضيفه المدينة أول مبنى في الدولة ينجح بفضل تصميمه المبتكر وأنظمة إدارة الطاقة الذكية في تقليل استهلاك الطاقة بنسبة 64% مقارنة مع المباني المكتبية العادية في مدينة أبوظبي. ومن أهم النماذج على العمارة الخضراء أو الأبنية المستدامة في أبوظبي، مبنى مركز الشيخ زايد لعلوم الصحراء بالعين، المبنى منشأة خضراء بامتياز بمعايير الحفاظ على البيئة، وترشيد استهلاك الطاقة والموارد، وزيارته تكتسب أهمية قصوى لمن يريد معاينة نموذج للعمارة الخضراء أو العمارة المستدامة في الإمارات. حصل على درجة 5 لآلئ من مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني، وعلى الشهادة البلاتينية على مقياس لييد (الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة)، وبذلك يصبح أول مبنى في الدولة يحصل على هذه الدرجة المتقدمة. يتكون مركز الشيخ زايد لعلوم الصحراء من 7 طوابق، لكن من يزوره يشعر كأنه في منشأة من طابق واحد: 3 مستويات تحت الأرض و4 مستويات علوية، ولذلك لا يحتاج المبنى لطاقة كبيرة في عملية التبريد، فالهواء ينساب في المكان بسهولة، ويظهر ذلك في بيانات المصعد، حيث لا يوجد فيه زر للطابق الثاني لأنه يتدرج مع الطابق الأول بطريقة انسيابية، والرخام المستخدم في أرضيات المركز تم استيراده من مصادر قريبة جداً من منطقة الإنشاء لتخفيض الطاقة المستهلكة في عملية النقل.

«لوفر أبوظبي» أيقونة الاستدامة 
متحف «لوفر أبوظبي» في جزيرة السعديات الذي افتتح رسمياً في نوفمبر 2017، ليس مجرد أيقونة ثقافية فريدة في العاصمة الإماراتية، بل يجسد في الوقت ذاته نموذجاً للعمارة المستدامة التي جمعت بين التصميم الفرنسي والتراث العربي، حيث حصل المبنى منذ يوليو 2013، على «ثلاث درجات لؤلؤ» ضمن تصنيف درجات اللؤلؤ للتصميم المستدام. المبنى قادر على امتصاص الحرارة بنسبة 71.7 في المئة نظراً للجدران المعزولة التي تقوم بتخفيض مستوى تسرب الحرارة إلى داخل المتحف، كما أن تصميم المبنى يضمن ترشيد استهلاك الطاقة بنسبة 30.8% من خلال القبة التي تغطي معظم مساحة المتحف، وتسمح في الوقت ذاته بنفاذ أشعة الشمس داخل المبنى، ما يؤدي إلى الاستفادة من الإنارة الطبيعية، وتقليل الحرارة الداخلية للمكان، ناهيك عن استخدام «المشربيات التقليدية» التي توضع على شكل نوافذ خارج القبة، كما أن الألوان الفاتحة تعكس حرارة الشمس، وتجهيزات المياه المستخدمة في أرجاء المتحف كافة تضمن ترشيد استهلاك المياه العذبة بنسبة 27.3%، ويستخدم المتحف أنظمة ري فعّالة للحفاظ على المساحات الخضراء حول المبنى. كما أن نظام التهوية بالمتحف يستخدم مراوح تستهلك طاقة أقل. تصميم القبة مستوحى من الطبيعة، وتحديداً من سعف النخيل، والتي تلتقط أشعة الشمس، بحيث ينساب ضوؤها كبقع على الأرض، وهذا ما تحققه قُبة «لوفر أبوظبي».
عبقرية التصميم تتمثل في القبة التي تعتبر رمزاً معمارياً عريقاً في العمارة العربية، قطر القبة 150 متراً وارتفاعها عن الأرض 38 متراً، والمتحف يرتفع عن سطح البحر بـ 40 متراً. وتتضمن القبة فتحات على نحو عشوائي توفر في ساعات النهار ظلالاً مريحة، وفي الوقت نفسه تتيح للناس تحتها من الاستمتاع بأشعة الشمس، وإ القبة تحت أشعة شمس أبوظبي نهاراً، يبدو المشهد مساء أشبه بواحة من أشعة الضوء تحت قبة مرصعة بالنجوم المتلألئة.
وفي 7 ديسمبر 2022، وقعت دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي مذكرة تفاهم مع هيئة البيئة – أبوظبي لإنشاء منطقة لإعادة تأهيل السلاحف البحرية في المياه المحيطة بمتحف اللوفر أبوظبي. وتعتبر هذه المرحلة الأخيرة ضمن دورة إعادة التأهيل قبل إطلاق السلاحف إلى مواطنها الطبيعية في الخليج العربي، خطوة تعزز مبادرات إمارة أبوظبي لحماية الأحياء البحرية وضمان التنوع البيولوجي وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، ما يعزز مكانة متحف «لوفر أبوظبي» كأيقونة للثقافة والعمارة المستدامة. 
وفي إمارة دبي، تعد «المدينة المستدامة» التي تم تدشينها في 2016 أول مجتمع مستدام بالكامل في العالم، وأول مشروع ينتج كامل احتياجاته من الطاقة في المنطقة، ليكون أسعد مجتمع سكني في دبي. المدينة توفر مزايا بيئية مثالية وتراعي في تصميمها وتشغيلها الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ويحظى ساكنوها بحياة صحية مستدامة خالية من الانبعاثات الكربونية وبحزام أخضر وطاقة نظيفة.
 وفي دبي أيضاً، جارٍ العمل على بناء مدينة مستدامة في منطقة «الروية» على طول طريق دبي-العين التي سوف يساعد تصميمها، المنفذ على هيئة وردة في الصحراء، على تقليل استهلاك الكهرباء وإنتاج الطاقة المتجددة محلياً.
وتعد الاستدامة من أبرز خصائص موقع «إكسبو دبي 2020» الذي أصبح الآن «مدينة إكسبو»، سواء من ناحية توليد مصادر الطاقة المتجددة واستخدامها، أو بالنسبة للمواد المستخدمة في الإنشاءات الدائمة بالموقع والتي ستتم إعادة استخدامها في إنشاءات البنية التحتية المستقبلية للإمارة.
بدورها، تعتبر «واحة دبي للسليكون» أول منطقة في دولة الإمارات تنفذ إضاءة الشوارع باستخدام التقنيات الذكية، وقد استخدمت أجهزة استشعار تقلل الإضاءة إلى 25 بالمائة، ثم تعود الإضاءة بالكامل عند اقتراب المركبات أو المشاة، ما أسهم في خفض استهلاك الطاقة بشكل كبير.
دبي عضو في مبادرة C40 التي تعد ساحة لتبادل الخبرات داخل المدن. المبادرة هي شبكة عالمية رائدة تأسست عام 2005 تضم 100  مدنينة ملتزمة بالتصدي لظاهرة التغير المناخي وحماية كوكب الأرض.

 

مدينة الشارقة المستدامة
في مارس 2019، تم الإعلان الرسمي عن مشروع «مدينة الشارقة المستدامة» كأول مشروع يلبي أعلى معايير الاقتصاد الأخضر والاستدامة البيئية في إمارة الشارقة. ومن المقرر تنفيذ المشروع على أربع مراحل تمتد على مساحة 7.2 مليون قدم مربع وتضم 1250 فيلا مستدامة ، وسيحظى سكان المدينة بتصاميم ذكية للفلل، وبتوفير في فواتير الكهرباء والمياه بنسبة تصل إلى 50%، وتم تجهيز المدينة لإنتاج الطاقة المتجددة عبر ألواح اطاقة الشمسية وبها أنظمة ذكية لإدارة استهلاك المياه، كما تضم المدينة مرافق للزراعة دعماً لجهود الأمن الغذائي، وتعتمد جزئياً على بيوت زراعية مزودة بالطاقة الشمسية وتسمى البيوت الخضراء.

عبقرية «مصدر»
في أبوظبي، تمثل مدينة «مصدر» أول محاولة في الشرق الأوسط لبناء مدينة مستدامة، بل إنها تتصدر قائمة المجمعات العمرانية الأكثر استدامة على الصعيد العالمي، وتأسست المدينة على  تصميم عمراني ذكي وفعال، بمقدوره التعامل مع الكثافة السكانية في المجمعات الحضرية بطريقة أكثر كفاءة. وتلتزم مدينة «مصدر» في أبوظبي بتحقيق متطلبات تصنيف «3 لآلئ» كحد أدنى بموجب نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ للمباني التابع لبرنامج «استدامة» في أبوظبي، وتستضيف مدينة «مصدر» المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا» كأول مبنى في الدولة ينجح بفضل تصميمه المبتكر وأنظمة إدارة الطاقة الذكية في تقليل استهلاك الطاقة بنسبة 64 في المائة مقارنة مع المباني المكتبية العادية في مدينة أبوظبي. في 27 سبتمبر 2010، كتب الصحفي الأميركي براين والش مقالاً في مجلة «تايم» عن مدينة «مصدر» وصفها كالتالي: «مدينة خالية من الكربون، فائقة الاستدامة نشأت في الصحاري خارج أبوظبي. مشروع مصدر هو نتاج مبادرة حكومية انطلقت من أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان من المفترض أن يكون نموذجاً من شأنه أن يساعد في إعداد البلاد لعصر ما بعد البترول. صممه المهندس المعماري البريطاني نورمان فوستر. مدينة مصدر مليئة بكل خيار أخضر يمكنك تخيله للتصميم الحضري: مصفوفات شمسية ضخمة، سيارات كهربائية من دون سائق، حتى جدران تلتقط نسيم الصحراء النادر، ما يقلل من الحاجة إلى تكييف الهواء». 
شهدت الإمارات توسعاً ملحوظاً في بناء وتشييد المدن المستدامة، وذلك تماشياً مع مستهدفات الأجندة الوطنية 2021 في تحقيق بيئة مستدامة من حيث جودة الهواء والمحافظة على الموارد المائية وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة وتطبيق التنمية الخضراء.