عبدالله أبو ضيف (القاهرة)

تتمتع كل من الإمارات وماليزيا بتاريخ طويل من التعايش السلمي والتسامح بين مختلف الثقافات والأعراق والأديان، وتشكلان نموذجاً عالمياً يحتذى به في التعايش السلمي وتحقيق التعددية الثقافية والدينية.
ففي الإمارات، تشكل قيم التسامح والتعايش والتعددية جزءاً لا يتجزأ من هويتها الوطنية، حيث عززت الدولة هذه القيم عبر قانونها الاتحادي بشأن مكافحة التمييز والكراهية، واستحداثها وزارة للتسامح والتعايش، واعتمادها البرنامج الوطني للتسامح، وإقامة شراكات دولية لبناء القدرات، وهو ما أبرز مكانة الإمارات عاصمة عالمية للتسامح.
وتشتهر أيضاً ماليزيا بتعددية ثقافاتها وتسامحها، إذ يتكون المجتمع الماليزي من مجموعة متنوعة من الأعراق والثقافات، وكذلك يشكل التسامح والتعايش السلمي جزءاً أساسياً من هوية ماليزيا. 
ويشجع البلدان، عبر إجراءات تعزيز التسامح والتعددية، على التفاهم والاحترام المتبادل بين المجتمعات المختلفة، ويعتبر التسامح والتعددية في الإمارات وماليزيا نموذجاً يلهم العديد من الدول الأخرى، ويظهر الالتزام القوي للحكومتين بتشجيع التعايش السلمي وحماية حقوق جميع المواطنين والمقيمين كمفتاح لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي في المجتمعات المتعددة الثقافات والديانات.
وتولي الإمارات وماليزيا اهتماماً كبيراً لتضمين مفاهيم التسامح والتعايش السلمي في المناهج الدراسية، ويتم تعزيز التوجه المتعدد الثقافات وتعليم الطلاب قيم الاحترام والتفاهم المتبادل.
كما يشجع البلدان على تنظيم الفعاليات الثقافية المشتركة والمناسبات الدينية لتعزيز التواصل بين المجتمعات المختلفة، بما في ذلك المهرجانات الثقافية والفعاليات المشتركة التي تتيح فرصة للتعارف والتبادل الثقافي بين الأشخاص من خلفيات مختلفة.
تعاون 
وتعمل الإمارات وماليزيا على تعزيز التعاون الدولي في مجال التسامح والتعددية، عبر تبادل الخبرات والمعرفة مع الدول الأخرى والمشاركة في المنتديات الدولية ذات الصلة لتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي على المستوى العالمي.
ويؤكد خبراء ومحللون سياسيون أن ماليزيا والإمارات العربية المتحدة تعدان من أكثر البلدان في عالمنا التي تتمتع بحالة من التنوع الثقافي الواسع يجعلهما مركزين للتنوع، مع تناغم واسع في الأداء الحكومي المتصل بهذا الموضوع.
وتحفل ماليزيا على سبيل المثال بتنوع ديموجرافي أثرى نسيجها الاجتماعي المكون من 3 عرقيات أساسية وهي: الملايو والصينيون والهنود، كما يتحدث سكان ماليزيا لغات عدة، أبرزها: «باهاسا ملايو» التي يشترك الماليزيون بها مع عدد من الدول الآسيوية، مثل الفلبين وتايلاند وسنغافورة، إضافة إلى الإنجليزية والصينية واللهجات المتنوعة ضمن تلك اللغات.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن حجم التنوع الثقافي الذي تتمتع به الإمارات وماليزيا يعتبر الأكبر في المنطقة وهو ما ينعكس إيجاباً على العلاقات الثنائية بين البلدين، اللتين تمثلان ثقلاً حقيقياً للقيمة الثقافية الدولية، ومدى استيعابهم لمختلف أنواع الثقافات والتي جعلتهم نموذجاً يحتذى به للكثيرين من مختلف أنحاء العالم.

وأضاف إسماعيل أن الإمارات هي الدولة الأولى في العالم من حيث التعايش السلمي، فيعيش داخلها جميع الجنسيات في تناغم، لتحظى الدولة بمكانة عالمية باعتبارها عاصمة للتسامح، في ضوء التنوع الثقافي الذي تمتلكه.
وأشار إلى أن ما يزيد من قوة ومتانة إقامة علاقات ثنائية بين البلدين، أن ماليزيا تعتبر أيضاً نموذجاً مهماً لاستيعاب مختلف الثقافات، وتعتبر من الأكثر البلدان في آسيا من عدد الجنسيات التي تعيش على أراضيها، وذلك يعود للمناخ في ماليزيا الذي حولها لواحدة من أقوى الدول السياحية على مستوى العالم، وهذا أمر تتشابه فيه مع الإمارات التي تعد من أكثر الدول السياحية الجاذبة مع جانب التنوع الثقافي في البلدين.
وأكمل أن البلدين يمثلان مركزاً للأديان واحترامها وتواجدها على أراضيهم فيما يعيش الجميع في تناغم كبير أسهم فيه التنوع الثقافي الواسع في البلدين ومدى ثقافة شعبيهما اللذين يتمتعان بقدر كبير من التعليم وبالتالي أدى لحالة من الاستقرار الشامل ومن هنا يأتي الربط في العلاقات الثنائية للإمارات وماليزيا كمركزين للتنوع الثقافي في العالم وفي منطقة أشد ما تحتاج إلى هذا النوع من التحالفات والعلاقات الثنائية.
سياسات حكيمة تعزز السلام
اعتبر الصومالي ياسين إبراهيم، الذي يعيش في ماليزيا منذ سنوات، منذ أن حصل على منحة لدراسة الإعلام ليصبح خبيراً في شؤون منطقة آسيا، أن ماليزيا تمثل مركزاً عالمياً لمختلف الثقافات والحضارات، وهو الأمر الذي مواصلة العيش فيها، مع توفر فرص عمل أكبر وحياة أفضل، إلى جانب قانون أساسه قبول الآخر والتسامح. ونوّه إبراهيم إلى أن التسامح والانفتاح والتعايش مع الآخرين يشكل في الإمارات مكونات رئيسة في نهج التعددية الثقافية منذ تأسيس الدولة، فيما تُعدّ دولة الإمارات حاضنة لقيم التسامح والسلم والأمان وصون الحريات واحترام الآخر، إذ تضم كثيراً من الجنسيات تنعم بالحياة الكريمة والاحترام، وترسّخ قوانين الدولة قيم الاحترام والمساواة، وتجرّم الكراهية والعصبية وأسباب الفرقة والاختلاف، مضيفاً: «لا شك أن هذه من القواسم المشتركة بين الإمارات وماليزيا». ويشير إلى أن دولة الإمارات تحظى بمكانة إقليمية ودولية مرموقة بفضل السياسة الحكيمة لقيادتها الرشيدة، وتعتبر الإمارات عاصمة عالمية تلتقي فيها حضارات الشرق والغرب، لتعزيز السلام والتقارب بين الشعوب، مما جعلها مقصداً للجميع من مختلف بلدان العالم، بغض النظر عن لونهم أو عرقهم أو دينهم، وواجهة عالمية تستقطب الناس من مختلف أنحاء العالم للعيش على أرضها، بسبب سيادة القانون وصون الحريات واحترام الآخر.
علاقات تاريخية وتعاون اقتصادي
قال أحمد فيضال الصحفي الماليزي إن الإمارات وماليزيا تمثلان مركزين لنشر الثقافة في المنطقة، خصوصاً مع حالة التنوع العرقي والديني الكبيرة في البلدين والحاضنتان لمختلف أنواع الثقافات.
وأضاف الصحفي الماليزي أن قيم التسامح والتعايش والتعددية تمثل بعداً مهماً في العلاقـــات الوطيــدة بيــن البلــدين، لاسيما في ضوء العلاقـــات التاريخيـــة القائمـــة بين البلدين، إلى جــانب حجم التعاون الاقتصادي الكبير الموجود بالفعل.
ويعيش آلآلاف الماليزيين في الإمارات، ويتمتعون بإقامتهم في الدولة باعتبارها وطنهم الثاني، نظراً لمستوى التفاعل الإيجابي الكبير بين الماليزيين وسكان الدولة.
تركيز على القيم الإنسانية والأخلاقية
وفي رمضان الماضي أشاد زعماء الطوائف الدينية في ماليزيا كافة، بما تضمنَتْه وثيقة أبوظبي التاريخية للأخوة الإنسانية، التي وقَّعها فضيلة الإمام الطيب وقداسة البابا فرنسيس، في أبوظبي عام 2019، من قيمٍ إنسانيةٍ ملهمةٍ، وأكدوا خلال حفل إفطار جماعي نظمه مجلس حكماء المسلمين، على المشتركات الإنسانية، واحترام كلٍّ منا لقيم ومعتقدات الآخر.
كما أشادوا بجهود مجلس حكماء المسلمين في نشر وتعزيز السِّلْم والتَّعايش الإنساني المشترك، مُعربينَ عن تقديرهم لكافة الجهود والمبادرات التي يقودها المجلس من أجل نشر قيم الإخاء والتعايش المشترك، وإيلاء أهميةً كبيرةً لتعزيز الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة.
وكان مجلس حكماء المسلمين، أطلق في فرعه بماليزيا برنامجاً إذاعياً، على مدار شهر رمضان المبارك، قدمه نخبة من العلماء، وتناول التركيز على القيم الإنسانية والأخلاقية المتعلقة بالشهر الفضيل.
وجاء إطلاق البرنامج في إطار جهود مجلس حكماء المسلمين، لنشر وتعزيز قِيَمِ الحوار والتسامح والتعايش المشترك.
والبرنامج الإذاعي أطلق باللغة الملاوية على إذاعة «زيان» وقدمه الأستاذ الدكتور ذو الكفل محمد البكري، وزير الشؤون الدينية الأسبق وعضو مجلس حكماء المسلمين.

رسالة
في مارس الماضي، زار صاحب الجلالة السلطان عبدالله رعاية الدين المصطفى بالله شاه ملك ماليزيا، جامع الشيخ زايد الكبير، واستهل فخامته والوفد المرافق الجولة بزيارة ضريح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، حيث توجه الجميع بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، مستذكرين إرثه ونهجه الحكيم الذي أسهم في تعزيز ثقافة التسامح والتعايش والسلام بين مختلف شعوب العالم.
وأدى صاحب الجلالة والوفد المرافق صلاة الظهر في رحاب الجامع مع جموع المصلين، ومن ثم تجول جلالته، في قاعات الجامع وأروقته الخارجية، حيث تعرفوا على رسالة الجامع الحضارية الداعية للتعايش والتسامح والانفتاح على الآخر؛ المنبثقة من مآثر وقيم الوالد المؤسس، والدور الكبير الذي يقوم به مركز جامع الشيخ زايد الكبير في التعريف بالثقافة الإسلامية السمحة، ومد جسور التقارب مع مختلف ثقافات العالم، وما يتميز به عن غيره من دور العبادة.
واطلع صاحب الجلالة والوفد المرافق على تاريخ تأسيس الصرح الكبير، وجماليات الجامع وبديع فنون العمارة الإسلامية التي تجلت بوضوح في جميع زواياه، وما يحويه الجامع من مقتنيات فريدة، وأروع ما جادت به الحضارة الإسلامية على مر العصور من فنون وتصاميم هندسية التقت على اختلافها وتنوعها في تصميم الجامع، لتعكس جمال انسجام الثقافات وتناغمها في عمل إبداعي واحد.