فاطمة عطفة (أبوظبي)
لا شك أن قضايا تغير المناخ وأخطار التلوث وازدياد الانبعاثات الحرارية باتت تهدد سلامة كوكبنا الأرضي، وهذه الأخطار تستدعي العمل الجماعي على المستوى العالمي أملاً في المحافظة على سلامة البيئة وضماناً للاستدامة ولغد مشرق لأجيال المستقبل، وقد كان الأجداد منذ أقدم الأزمنة يحافظون على الغطاء النباتي ونظافة الماء والهواء والمحيط الطبيعي السليم. وهذا تاريخ ثقافي إنساني ممتد حافظ على سلامة الشرط البيئي عبر الأجيال. وتقود دولة الإمارات اليوم عبر استضافتها مؤتمر الأطراف (COP28) الجهد العالمي الساعي لاحتواء تحديات تغير المناخ، بكافة أشكالها، واستعادة التوازن الحيوي لكوكبنا، وترسيخ ثقافة الاستدامة على صعيد عالمي.
نعيش المستقبل
وفي مواجهة الأخطار البيئية المتزايدة اليوم، تقول د. عزة هاشم، أستاذة العلوم السياسية: مع استضافة دولة الإمارات لمؤتمر الأطراف (COP28)، أنا متفائلة بأن المؤتمر سيجعلنا نعيش المستقبل، ويحدونا الكثير من الأمل في أن يكون هذا المؤتمر إضافة نوعية في معركة الإنسان ضد تغير المناخ التي تتهدد حاضر كوكبنا ومستقبله، ويستشعر الناس أثرها المباشر في حياتهم اليومية في مختلف مناطق العالم.
وأضافت: الحقيقة أن استعداد الإمارات للمؤتمر بدأ منذ وقت طويل، وأدى لرفع وعي الجميع بقضية التغير المناخي، وأقصد أبعادها وتداعياتها، ولاسيما مع إعلان الدولة عام 2023 كعام للاستدامة، واتخاذ إجراءات ملزمة للحد من التلوث، كتخفيض البلاستيك أحادي الاستخدام، الذي كان في البداية استبعاده أمراً صعباً، ولكننا اعتدنا الآن على تجنبه في كل مشترياتنا.
وتتابع د. عزة هاشم مبينة أن مستوى الوعي بالتغير المناخي لدى أبنائنا أخذ يتزايد من حيث اهتماماتهم وسعيهم لتبني ممارسات صديقة للبيئة، ودخلت مفردات كالبيئة والتلوث وبصمة الكربون وغيرها إلى قاموسهم اليومي، وهذا بفضل الفعاليات الكثيرة الرامية لتنمية الوعي بالتغيرات المناخية، التي احتضنتها المرافق العامة، كالمدارس ومراكز التسوق، وأيضاً بفضل التأكيد على السلوكيات المنضبطة بيئياً المتوافقة مع متطلبات التنمية المستدامة في المناهج الدراسية. وتؤكد د. عزة هاشم أنها متفائلة جداً بالمؤتمر الذي سيشهد أنشطة كثيرة ومشاركات كثيفة ومهمة، بعضها ثقافي وبعضها فني، مبرزة أننا لن نخسر معركتنا البيئية، بل سنعيش المستقبل المشرق، لأنه هو ما نعمل عليه الآن.
أهداف الاستدامة
د. دلال مطر الشامسي، الأستاذ المشارك في قسم علوم الأرض في جامعة الإمارات العربية المتحدة ومدير المركز الوطني للمياه والطاقة، توقعت أن يسهم مؤتمر الأطراف في وضع خطة مستمرة للتنمية المستدامة المتوافقة مع الانتقال الميسر نحو الطاقة النظيفة، والوصول إلى أهداف الاستدامة بشكل مدروس بما يكفل المرونة في تطوير وتغيير الخطط التنموية نحو الاقتصاد الأخضر والبيئة النظيفة.
وأشارت د. الشامسي إلى أن العمل قد بدأ فعلياً قبل المؤتمر بعدة أشهر لتهيئة طلاب المدارس من جميع المراحل والباحثين في مؤسسات التعليم العالي للتحضير لهذا المؤتمر، وذلك بإشراف وزارة التربية والتعليم والمراكز البحثية، لإعداد المواد التعليمية والتخطيط لمشاريع الاستدامة المصغرة للطلاب وطويلة المدى للباحثين، ومتابعتها بشكل مستمر لتقديم الدعم اللازم.
وأضافت د. دلال الشامسي قائلة: إذا أردنا أن نتحدث بلغة أكثر دقة، فلنقل الحد من آثار تغير المناخ، لأن عملية تغير المناخ في ذاتها هي عملية دورية وطبيعية وتتعلق بتغير محور الأرض عبر الأزمنة. ولفتت إلى أهمية الموضوع مبينة أن الدعم الدولي والمحلي للعمل الجمعي يعد مفتاحاً أساسياً لتقليل آثار تغير المناخ، حيث يشمل دعم العمل الجمعي، دعم الأبحاث التطبيقية، وتتبع ومحاسبة الخطوات المستدامة التي تسير نحوها المجموعات. وهو أمر ضروري لتحقيق الأهداف وتقليل المخاطر في إطار زمني مناسب. فهذه الرؤى لن تتحقق من دون وجود الدعم والإدارة والمتابعة والإثراء، وهو ما يحقق الاستمرارية وانتقال العمل الجماعي من رؤية جديدة إلى تطبيق متأصل في عادات المجتمعات وثقافتها وكجزء من طموحها الدائم.
تحدٍّ وجودي
يؤكد أهمية هذا الموضوع أيضاً، د. بسام سعيد دحي، الباحث في الإيكولوجيا والعلوم البيئية في جامعة نيويورك أبوظبي قائلاً: إن منطقتنا من أهم مناطق العالم إنتاجاً للنفط، وهي ستكون محط أنظار العالم كله في الفترة القادمة باستضافة الدولة لمؤتمر «كوب 28»، وسيكون من المناسب طرح المبادرات البيئية الجديدة التي تحدِث إجماعاً دولياً يجعل منطقتنا في قلب سياسات احتواء والحد من آثار التغير المناخي، لأنه يمثل تحدياً وجودياً للإنسانية جمعاء، حيث إن ارتفاع درجة حرارة الأرض المستمر (لأسباب طبيعية أو بشرية) له عواقب وخيمة في النهاية. ولاشك أن هذه فرصة لدعم وتعزيز العمل الجماعي، فالبيئة والمحافظة عليها عمل جماعي بطبيعته يستدعي عمل الجميع، ليس فقط بين الدول المتجاورة بنظم بيئية واحدة، بل أيضاً حتى الدول المتباعدة جغرافياً، فكلنا شركاء في الحفاظ على السلامة البيئية والمناخية لكوكبنا الأزرق.
ويتابع د. دحي، موضحاً أن المصلحة مشتركة والهدف واحد وهو: سلامة وتوازن الكوكب بيئياً ومناخياً. وعلى مستوى المنطقة يتعين ربط سياسات التشجير والتغويب (زراعة الغابات في الصحراء) بآليات قياس الكربون المحتجز التي أقرتها منظمات بيئية دولية، وهذا من شأنه أن يسلط الضوء على جهود الدول في مكافحة التصحر لتقليل آثار التغير المناخي وتحسين بصمتها الكربونية، مؤكداً أن من الأهمية بمكان التعامل مع الخليج العربي كمنطقة دراسة بحثية واحدة في الدراسات البيئية، وهو ما يفتح المجال للتعاون الإقليمي بين الدول المطلة على الخليج، وإنشاء اتفاقيات ومجالس للبحث العلمي لدراسة هذا المسطح المائي المهم وسواحله، ودراسة تأثير التغير المناخي عليه كمنطقة دراسة واحدة، وليس كدراسات مجزأة يتم تطبيقيها هنا أو هناك.
التزام بحماية البيئة
بالنظر إلى أهمية نظافة البيئة في حياتنا والمحافظة على سلامتها تقول الكاتبة د. مريم سعيد المهيري: كشابة إماراتية أمتلئ فخراً بأن تستضيف دولتي هذا المؤتمر العالمي للمناخ، وأجد نفسي أمام واجب أخلاقي ووطني رفيع أولاً وأخيراً، مبينة أن تحديات المناخ أصبحت مسألة ملحة وضرورية، لأننا لا نملك ترف العيش في كوكب آخر، وعلينا، نحن الشباب، أن نصنع التغيير الذي يحمي مستقبل أجيالنا المقبلة.
وترى د. المهيري أن مؤتمر المناخ في الإمارات يجسد صدق التزامنا تجاه حماية البيئة ونحو غد أكثر استدامة، وهو صحوة للوعي البيئي، ودعوة للنظر إلى المستقبل بعين المسؤولية. ونحتاج أن نسأل أنفسنا: ما دور كل فرد منا؟ وكيف يمكن لعمل واحد أن يصنع فارقاً؟ وتضيف مؤكدة أننا محظوظون بقيادة تثق بكوادرها الواعدة، وتضع تمكين الشباب ضمن أولوياتها، وقد عملت انطلاقاً من هذا الإيمان على توفير مساحات كبيرة لهم في قلب العمل المناخي، والاستفادة من طاقاتهم وقدراتهم في سبيل معالجة القضايا البيئية التي تُلقي بظلالها على العالم اليوم.
وتختم د. مريم المهيري مبينة أن لكل منا صوتاً مسموعاً، ومن خلال الحوار الهادف وتلاقي الأفكار والحراك الجماعي، فضلاً عن تعزيز تنمية المجتمع وبناء اقتصاد مستدام، يمكن لهذه الأصوات أن تسهم في صنع القرار وتحقيق الطموحات والأهداف لمواجهة آثار تغير المناخ.