دينا جوني (أبوظبي) 

في الخامس عشر من يوليو من كل عام، تتجه أنظار العالم نحو جيل الشباب، احتفاءً بيوم عالمي خصّص لتعزيز وعي المجتمعات والدول بأهمية صقل مهاراتهم وتأهيلهم لمواكبة عالم سريع التغير. وفي الإمارات، لا يُنظر إلى هذه المناسبة بوصفها تقويماً زمنياً عابراً، بل باعتبارها مرآة لتوجه وطني متجذر، يرى في الشباب الركيزة الأساسية للتنمية الشاملة، والرهان الأهم لصناعة المستقبل.
في الإمارات لم يُترك الشباب ليجتهدوا وحدهم في مواجهة تحديات العالم الرقمي، والاقتصاد المعرفي، وسوق العمل المتحوّل، بل وجدوا في السياسات الحكومية والمبادرات الوطنية، ما يجعل منهم فاعلين لا متفرجين، وشركاء لا متلقين.
ما يميز التجربة الإماراتية في تمكين الشباب ليس حجم المبادرات فقط، بل تكاملها وشموليتها. منذ سنوات، بدأت الدولة بإعادة تعريف مفهوم التعليم، فلم تعد المعرفة النظرية كافية. بل صار التركيز على المهارات العملية، والقدرات القيادية، والتفكير النقدي، والابتكار، هو الأساس.
منهجية التعليم نفسها تغيّرت. لم تعد الفصول الدراسية معزولة عن متطلبات الحياة الواقعية، بل أصبحت منصات لتجريب المهارات، واستكشاف القدرات، وفهم التحديات التي تنتظرهم على عتبات المستقبل. في هذا السياق، برزت تقنيات الذكاء الاصطناعي والبرمجة وريادة الأعمال، كأدوات أساسية ضمن حقائب الشباب المهارية.

طموح كبير 
رؤية «نحن الإمارات 2031»، كما «مئوية الإمارات 2071»، لا تُخفي طموحها الكبير في تحويل الدولة إلى واحدة من أفضل دول العالم. غير أن هذا الطموح لم يُترك معلقاً في الهواء، بل وُضع بين أيدي الشباب. هؤلاء هم من سيقودون مسارات التغيير، وهم من سيبتكرون الحلول، وهم من سيتحملون مسؤولية الحفاظ على ما تحقق، وتطويره.
ومن هنا، جاء التركيز على بناء جيل قادر على التعلم المستمر، يمتلك الأدوات اللازمة للتأقلم، والإبداع، والقيادة. جيل يتم تأهيله اليوم ليكون صانع القرار في الغد.

دوائر القرار 
تمكين الشباب في الإمارات لا يقتصر على المهارات الفنية أو التدريب المهني. فالدولة تؤمن بأن الشباب لا بد أن يكون له صوت في صناعة السياسات الوطنية. لذلك، تم إشراكهم في مجالس الإدارات الحكومية، وتأسيس مجالس اتحادية شبابية، ومنحهم الفرصة لتقديم رؤاهم، وتحدي الأفكار التقليدية، والمشاركة في تشكيل المستقبل الذي يخصهم.

البيئة الحاضنة للفرص 
ما يميز الإمارات أيضاً هو قدرتها على خلق بيئة حقيقية تزدهر فيها المواهب. فالدولة لا تكتفي بإطلاق المبادرات، بل تتابع، وتطور، وتقيّم الأثر. المؤسسات التعليمية، والمراكز المجتمعية، والبرامج الحكومية، والقطاع الخاص، جميعها تعمل بتناغم لخلق منظومة متكاملة، يكون فيها الشاب الإماراتي قادراً على التعلم، والتجريب، والنجاح. الفرص متاحة، لكن الأهم أن هناك من يثق بالشباب ليمنحهم هذه الفرص. وهذا بحد ذاته، واحد من أعظم أشكال الدعم.

شباب يصنع الفرق 
في كل زاوية من زوايا الدولة، هناك قصة شاب أو شابة شقّ طريقه بدعم مؤسسات وطنية آمنت بإمكاناته. منهم من قاد مشاريع ريادية، ومنهم من شارك في صياغة استراتيجيات وطنية، وآخرون أوصلوا صوتهم للعالم في محافل دولية. هذا الجيل لا ينتظر أن يُقال له ماذا يفعل. هو يبتكر، يخطط، وينفذ. لأنه نشأ في بيئة تؤمن بأنه «لا مستقبل بلا شباب»، وتُدرّبهم على ترجمة الأحلام إلى إنجازات.

خطى واثقة
في اليوم العالمي لمهارات الشباب، تقدم الإمارات نموذجاً عالمياً لدولة تبني مستقبلها بعقول أبنائها. نموذج يتجاوز الشعارات، ويترجم الطموحات إلى برامج وسياسات ومبادرات. نموذج يؤمن بأن بناء الإنسان هو المشروع الأهم، والاستثمار الأذكى. في النهاية، ليست المهارات مجرد أدوات تقنية. إنها انعكاس لثقة الدولة بأبنائها، ودليل على نضج مشروعها الوطني. وتمضي الإمارات، كعادتها، بثبات نحو المستقبل، تراكم الإنجازات بخطى واثقة، وتصقل القدرات مهارة بعد أخرى.