هالة الخياط (العين)
واصل المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي 2026 أعماله في يومه الثالث بزخم متصاعد، مؤكداً مكانته منصة وطنية جامعة تدفع باتجاه تطوير القطاع الزراعي وتعزيز استدامته، حيث جاء محور هذا اليوم تحت عنوان «الأسرة والمرأة المزارعة»، في توجه يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الدور المجتمعي في دعم المنظومة الزراعية، وربط الإنتاج المحلي بالبعد الأسري والاقتصادي والاجتماعي، بما يُسهم في ترسيخ نموذج تنموي أكثر شمولاً واستدامة.
وشهدت فعاليات اليوم الثالث حضوراً لافتاً للمرأة الإماراتية، التي باتت تشكّل ركيزة أساسية في تطوير القطاع الزراعي والغذائي، ليس فقط من خلال المشاركة، بل عبر الإسهام الفاعل في الابتكار، وتحويل المشاريع الصغيرة إلى نماذج إنتاجية ذات قيمة اقتصادية مضافة.
ويأتي هذا الحضور امتداداً لمسار وطني داعم لتمكين المرأة، يضعها في قلب معادلة الأمن الغذائي، بوصفها شريكاً رئيسياً في بناء منظومة إنتاج محلي أكثر كفاءة ومرونة.
وفي هذا السياق، سلطت الجلسات الحوارية والنقاشات المتخصّصة الضوء على مفهوم «الزراعة الأسرية» كنموذج مستدام، قادر على تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وتعزيز الاكتفاء الذاتي على مستوى الأسرة، إلى جانب دوره في نقل المعرفة الزراعية بين الأجيال، وترسيخ ثقافة العمل الزراعي كخيار اقتصادي واجتماعي واعد. كما ناقش المشاركون سُبل دعم هذا النموذج عبر برامج التمويل والتدريب، وتوظيف التقنيات الحديثة التي تسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر.
تحوّل نوعي
يعكس التركيز على الأسرة والمرأة المزارعة في هذا اليوم تحولاً نوعياً في النظرة إلى القطاع الزراعي، من كونه نشاطاً تقليدياً إلى منظومة متكاملة ترتبط بالاستدامة الاقتصادية والاجتماعية، حيث تلعب المرأة دوراً محورياً في إدارة المشاريع الزراعية، وتطوير المنتجات المحلية، وابتكار حلول تتماشى مع التحديات البيئية والمناخية.
ومن بين النماذج الملهمة التي برزت خلال فعاليات اليوم الثالث، مشاركة النحالة الإماراتية أمل الحمادي، صاحبة شركة «عسل الأمل»، التي قدمت تجربة رائدة في مجال تربية النحل وإنتاج العسل الطبيعي ومشتقاته.
وتمثّل تجربتها نموذجاً واضحاً لكيفية تحويل الشغف إلى مشروع اقتصادي ناجح، يسهم في دعم الإنتاج المحلي، ويواكب في الوقت ذاته التوجهات الحديثة في الصناعات الغذائية.
وأكدت الحمادي أن العمل في قطاع النحل لا يقتصر على إنتاج العسل، بل يمتد ليشمل منظومة متكاملة من المنتجات ذات القيمة العالية، مشيرة إلى أهمية الابتكار في تطوير هذا القطاع وتعزيز تنافسيته.
كما قدمت إحدى المزارعات المشاركات تجربة متميزة في مجال الزراعة الأسرية، ركّزت من خلالها على إنتاج محاصيل محلية باستخدام تقنيات حديثة مثل الزراعة المائية والري الذكي، مع الحرص على إشراك أفراد الأسرة في مختلف مراحل الإنتاج، بما يعزّز مفهوم المسؤولية المشتركة، ويسهم في بناء وعي زراعي لدى الأجيال الجديدة. وأوضحت سلماء الهنائي أن هذا النموذج لا يدعم فقط الاستدامة البيئية، بل يفتح أيضاً آفاقاً اقتصادية جديدة للأسر، من خلال تسويق المنتجات المحلية ورفع جودتها.
التجربة الإماراتية
يأتي هذا الحراك النسائي في سياق أوسع يعكس نضج التجربة الإماراتية في تمكين المرأة، حيث لم تعُد مشاركتها في القطاع الزراعي مقتصرة على الأدوار التقليدية، بل أصبحت فاعلاً رئيساً في تطوير المنتجات، وتبني أساليب إنتاج مبتكرة، وتحقيق قيمة مضافة تسهم في تعزيز تنافسية المنتج الوطني. كما يعكس هذا الحضور وعياً متقدماً بأهمية الزراعة كقطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاستدامة.
روح الابتكار
ضمن المشاركات النسائية هذا العام، يبرز مشروع «شيوخي للتمور»، الذي أسّسته ميثا المحرزي، ويقدم نموذجاً لتطوير التمور في صورة منتجات مبتكرة وعصرية، مع الحفاظ على قيمتها الغذائية وتعزيز حضورها في ثقافة الغذاء المحلي الصحي.
وقالت المحرزي: «المرأة الإماراتية اليوم لا تدخل قطاع الزراعة كامتداد لدور تقليدي، بل كعقل مبدع يعيد تعريف العلاقة بين الأرض والإنسان. فهي لا ترى في الإنتاج غاية في حد ذاته، بل نقطة انطلاق نحو بناء منظومة غذائية أكثر وعياً واستدامة».
وفي مساحة أخرى، تقدم فاطمة الموسوي، مالكة مشروع «ريليف» من «يقند الراس»، تجربة مختلفة تنطلق من الشاي بوصفه منتجاً يحمل هوية ورسالة وقيمة. وتعد الموسوي أول خبيرة شاي إماراتية، وأول صاحبة علامة تجارية إماراتية صديقة للبيئة للشاي، وعضواً في مجلس شباب الإمارات لريادة الأعمال.
وتقول الموسوي عن تجربتها: «بدأت رحلتي من شغف عائلي بالشاي، لكنها ما لبثت أن تطورت إلى مسؤولية أكبر تجاه ما نقدمه للعالم من حولنا. لم أكن أرى في الشاي مجرد منتج، بل تجربة تحمل هوية، ورسالة، وقيمة. ومن هنا جاء مشروع «ريليف» ليجمع بين الابتكار والاستدامة، ويثبت أن ريادة الأعمال النسائية في دولة الإمارات قادرة على تحويل الفكرة الصغيرة إلى علامة فارقة».
تمكين المرأة
يكشف الحضور النسائي في المعرض أن تمكين المرأة في القطاع الزراعي لا يرتبط فقط بتوسيع المشاركة، بل يتصل أيضاً ببناء أثر اقتصادي واجتماعي أكثر اتساعاً. فالمشاريع الزراعية والغذائية التي تقودها النساء تسهم في دعم المنتج المحلي، وخلق فرص جديدة للتدريب والعمل، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة الإنتاج الوطني، فضلاً عن توسيع حضور المنتجات المحلية في الأسواق. وفي هذا السياق، تشير سليمة الشامسي، مالكة «مزرعة اللولو» والحائزة على جائزة الشيخ منصور بن زايد للتميز الزراعي، إلى أن العمل الزراعي لم يعد مجرد نشاط إنتاجي، بل بات مسؤولية تتصل بالأرض والمجتمع معاً، وتقول: «من خلال إدارة «مزرعة اللولو»، أدركت أن تمكين المرأة في هذا القطاع لا ينعكس فقط على نجاح المشروع نفسه، بل يمتد ليصنع أثراً أوسع في المجتمع، من خلال خلق فرص عمل، وتعزيز الاعتماد على المنتجات المحلية».
وتعكس هذه التجارب بوضوح كيف أصبحت المرأة الإماراتية جزءاً من مشهد أوسع يعيد تشكيل العلاقة بين الزراعة والتنمية، وبين المنتج المحلي والاقتصاد، وبين الابتكار والاستدامة. كما تبرز هذه المشروعات دور المرأة في نقل الخبرة الزراعية من مستوى الممارسة الفردية إلى فضاء أرحب من التأثير المجتمعي والاقتصادي.
ولا يقتصر هذا الحضور على الإنتاج التقليدي، بل يمتد إلى توظيف التقنيات الحديثة وأساليب الزراعة المستدامة في تطوير المشاريع ورفع كفاءتها.
وفي هذا الإطار، تشير صديقة غلوم، مؤسسة مشروع «لسعة نحل»، المتخصص في تصنيع المنتجات العضوية من شمع النحل، إلى أن جوهر التجربة لا يقف عند حدود المشروع ذاته، بل يتصل بفكرة أعمق تتعلق ببناء الوعي لدى الأجيال الجديدة. وفي استعراض لمخرجات الأيام السابقة، خاصة اليوم الثاني من المؤتمر، يتضح أن هذا التوجه المجتمعي يأتي مكملاً للرؤية الاقتصادية والاستثمارية التي طُرحت في الجلسات الحوارية، والتي ركزت على تحويل الزراعة إلى قطاع استثماري جاذب ومستدام، وتعزيز الصناعات الغذائية القائمة على المنتجات المحلية.