آمنة الكتبي (أبوظبي)

كشف حسن الحوسني، الرئيس التنفيذي للحلول الذكية في سبيس 42، أن المرحلة الأخيرة شكّلت محطة مفصلية في مسيرة الشركة، عكست انتقالها إلى مستوى أكثر نضجاً في الرؤية وانضباطاً في التنفيذ، حيث ركّزت على ترسيخ أسس تشغيلية متينة وبناء نموذج قادر على تحقيق نمو مستدام وتوليد قيمة طويلة الأجل، استناداً إلى الحوكمة الرشيدة والدقة في تخصيص رأس المال، وهو ما يعكس تطوراً مؤسسياً واضحاً تحقق خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
وقال في حوار مع «الاتحاد»، إن هذا التقدم تجلى عملياً عبر الركائز الاستراتيجية الأربع للشركة، إذ واصلت كوكبة «فورسايت» توسعها مع إطلاق الأقمار 3 و4 و5، والتي جرى تجميعها واختبارها داخل منشآت الشركة في أبوظبي، في خطوة تعكس تقدماً نوعياً في بناء القدرات الوطنية في مجال رصد الأرض. 
وفي السياق ذاته، دخل القمر «الثريا-4» حيز الخدمة التجارية، مما شكّل محطة مهمة عزّزت قدرات الشركة في مجال الاتصالات الفضائية المتنقلة، ووسّعت نطاق التغطية والخدمات المقدمة لقطاعات حيوية، لا سيما قطاع التنقل.

وأشار الحوسني إلى أن الشركة حققت تقدماً لافتاً في مجال منصات الذكاء الاصطناعي، حيث تطوّر مركز تحليل البيانات GIQ من نموذج قائم على المشاريع إلى منصة عالمية متاحة عبر «مايكروسوفت أزور»، ومدعومة بأكثر من 50 نموذجاً للذكاء الاصطناعي، مما يتيح تحويل بيانات الأقمار الاصطناعية إلى معرفة فورية تدعم اتخاذ القرار، لافتاً إلى أن مبادرة «خريطة أفريقيا»، التي تم تطويرها بالشراكة مع «مايكروسوفت» و«إزري»، تمثّل نموذجاً عملياً لهذا التوجه، إذ توفّر بيانات جيومكانية تغطي 54 دولة مدعومة بتحليلات متقدمة.
وتابع: هذا المشهد يتكامل مع ما حققته شركة «ميرا آيروسبيس» من تقدم في تطوير المنصات عالية الارتفاع، حيث نجحت في تنفيذ أولى رحلاتها التجريبية والوصول إلى طبقات الستراتوسفير، في خطوة تعزز قدرات الشركة ضمن منظومة متكاملة لا تكتفي بتوسيع الحضور، بل تركز على بناء بنية بيانات متقدمة تحول البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى أثر عملي يخدم الحكومات والمؤسسات.

قيمة اقتصادية
أوضح الحوسني أن بناء هذه المنظومة لم يكن قائماً على تجميع تقنيات متقدمة فحسب، بل على نهج تكاملي يربط بين الاتصال الفضائي والبيانات الجيومكانية والذكاء الاصطناعي ضمن نموذج تشغيلي موحّد، يتيح الانتقال بسلاسة من جمع البيانات إلى تحليلها، ثم تحويلها إلى رؤى قابلة للتطبيق وقيمة اقتصادية مستدامة، مؤكداً أن القيمة في قطاع الفضاء لم تعُد تقاس بامتلاك أصل تقني منفرد، بل بقدرة المؤسسة على دمج هذه الأصول ضمن منظومة مترابطة.
وأشار إلى أن هذا التكامل يمتد إلى آليات تطوير الحلول، حيث يتم تصميم الخدمات ضمن إطار تشغيلي يضمن انسيابية تدفق البيانات وتسريع تحويلها إلى تحليلات عملية، لافتاً إلى الدور المحوري لمركز GIQ في جمع البيانات من مصادر متعددة وتحليلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح إنتاج رؤى دقيقة تدعم اتخاذ القرار في الوقت الفعلي عبر مختلف القطاعات.
وبين الحوسني أن قوة هذا النموذج تنعكس أيضاً في قدرة الشركة على العمل عبر كامل سلسلة القيمة، بدءاً من البنية التحتية الفضائية، مروراً بالمنصات الرقمية، وصولاً إلى التطبيقات النهائية، وهو ما يمنحها مرونة أعلى في تطوير حلول متكاملة، وقدرة أكبر على تلبية متطلبات المستخدمين وتسريع الابتكار، في مشهد عالمي يشهد تحولات متسارعة، مؤكداً أن تحقيق التوازن بين الابتكار التقني ومتطلبات السوق الدولية، يعتمد على التركيز على فرص التوسع القابلة للتنفيذ، وبناء شراكات استراتيجية قادرة على نقل الابتكار من مرحلة التطوير إلى قدرات تشغيلية قابلة للنشر على نطاق واسع، مشدداً على أن القيمة الحقيقية للتقنيات لا تقاس بحداثتها، بل بقدرتها على الاندماج ضمن منظومات قائمة والاستجابة لمتطلبات تشغيلية وتنظيمية معقدة.

الرؤية الاستراتيجية
بخصوص عوامل تسريع تنفيذ المشاريع، أوضح الحوسني أن وضوح الرؤية الاستراتيجية منذ التأسيس كان عاملاً أساسياً، حيث تم اعتماد نهج قائم على البرامج طويلة الأمد بدلاً من المبادرات المؤقتة، مما أتاح توجيه الموارد نحو أولويات محددة وبناء مسار نمو مستقر، مشيراً إلى أن هذا التوجه تزامن مع مستوى عالٍ من الانضباط المؤسسي في الحوكمة وإدارة المشاريع وتخصيص رأس المال، مما مكّن الشركة من تحقيق توازن دقيق بين سرعة الإنجاز وجودة التنفيذ. وأكد أن الشراكات الاستراتيجية لعبت دوراً محورياً في تسريع وتيرة التنفيذ، من خلال التعاون مع شركاء عالميين لنقل المعرفة وتعزيز القدرات التقنية، إلى جانب الاستثمار في بنية تحتية سيادية تشمل قدرات التصنيع والتجميع والاختبار داخل الدولة، مما ساهم في تعزيز المرونة التشغيلية وتقليص الزمن اللازم لتطوير المشاريع، موضحاً أن الشركة نجحت في تحويل البيانات الجيومكانية إلى قيمة اقتصادية ملموسة، في ظل توقعات بنمو سوق الأقمار الاصطناعية الرادارية عالمياً من 5.8 مليار دولار إلى 9.8 مليار دولار بحلول عام 2030، مما يعكس أهمية هذه التقنيات في دعم القرارات الاستراتيجية. وقال الحوسني: إن ربط كوكبة «فورسايت» بمركز GIQ مكّن من تقديم منظومة متكاملة توفّر الرصد المستمر والرؤى التنبؤية، مما أسهم في خفض تكاليف الصيانة التنبؤية بنسبة تصل إلى 30%، وتحسين سرعة الاستجابة للحالات الطارئة بنسبة تصل إلى 90%، وتقليل أوجه القصور التشغيلية بنسبة تصل إلى 25%، لافتاً إلى أن هذه القدرات أثبتت فعاليتها خلال موجة الأمطار الغزيرة التي شهدتها الدولة عام 2024، حيث وفّرت رؤية فورية ودقيقة للمناطق المتأثرة رغم التحديات الجوية، ما ساهم في تسريع الاستجابة وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، مؤكداً أن دور الشركة يتجاوز تطوير التقنيات إلى تمكين منظومة متكاملة تدعم اتخاذ القرار وترفع كفاءة العمليات.

المنافسة العالمية
أكد الحوسني أن المنافسة العالمية في قطاع التحليلات الجيومكانية وخدمات الذكاء الاصطناعي تتجه نحو مزيد من التسارع، مع دخول لاعبين جدد وتنامي نماذج الحوسبة السحابية، لافتاً إلى أن التميُّز مستقبلاً لن يكون في امتلاك البيانات فقط، بل في القدرة على أتمتة سلسلة القيمة بالكامل، من الاستشعار إلى التحليل وصولاً إلى القرار، وتقديمها عبر منصات سيادية موثوقة وقابلة للتوسع، بما يعزز القدرة على بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الحكومات والمؤسسات.