مريم بوخطامين (أبوظبي)


أكدت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي سعيها بكل كوادرها لتعزيز إمكانات التعاون في مجالَي البحث والتطوير بين مختلف التخصصات الخاصة بمجالات الذكاء الاصطناعي، وإعداد الطلاب ليصبحوا قادةً ومبتكرين أكفاء يتمتعون بالمعرفة الوفيرة والخبرات الواسعة لتنمية القطاع التكنولوجي. وأشارت إلى جهودها في إطلاق مشروعات مبتكرة في دولة الإمارات، وذلك من خلال رؤية واضحة في بناء المعرفة واستخدام الذكاء الاصطناعي من أجل دفع مسيرة النمو الاقتصادي، وترسيخ مكانة أبوظبي مركزاً رائداً لمجتمع الذكاء الاصطناعي العالمي، ولتكون الوجهة المثالية للبحوث التي ستؤدي إلى تحوّلات جذرية، ومنصّةً لدعم أفضل المواهب في علوم الحاسوب، ومركزاً لدعم الشركات الناشئة والابتكارات ذات التقنية العالية. 

الكفاءات الوطنية  
أكدت روضة المريخي، نائب رئيس مساعد للمشاريع الوطنية والتواصل في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، في حوار لـ«الاتحاد»، أن دولة الإمارات تتبنّى نهجاً مختلفاً في تطوير قطاع الذكاء الاصطناعي، يقوم على الاستثمار طويل الأمد في بناء الكفاءات الوطنية، بدلاً من الاعتماد فقط على استقطاب المواهب الجاهزة من الخارج، موضّحة أن الدولة تعمل على بناء منظومة متكاملة تبدأ من المراحل الدراسية المبكرة، وتمتد إلى التعليم العالي والبحث العلمي وصناعة القرار؛ بهدف إعداد أجيال من الباحثين والمبتكرين القادرين على إنتاج المعرفة وتطوير التقنيات المتقدمة وقيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي من داخل الدولة. 

القدرات المستدامة 
أوضحت المريخي أن العديد من الدول تعتمد على استقطاب الكفاءات الجاهزة من الخارج لسدّ الفجوة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو نهج يركّز على الحلول قصيرة المدى أكثر من بناء القدرات المستدامة، أمّا دولة الإمارات فقد اختارت مساراً مختلفاً جوهرياً، قائماً على الاستثمار طويل الأمد في رأس المال البشري الوطني، وبناء منظومة متكاملة لتطوير الكفاءات في الدولة، ولا تقتصر هذه المقاربة على التعليم الأكاديمي فحسب، بل تبدأ من المراحل الدراسية المبكرة، وتمتدّ عبر التعليم العالي، وصولاً إلى البحث العلمي المتقدّم وصناعة القرار. والهدف ليس فقط استقطاب الخبرات العالمية، بل تمكين أجيال من الباحثين والمبتكرين القادرين على قيادة إنتاج المعرفة، وتطوير حلول تقنية، والمساهمة في رسم السياسات المستقبلية من داخل الدولة. 

سوق العمل  
لفتت إلى أهمية الشراكات الوثيقة التي تبنيها الجامعة مع الجهات الحكومية والشركات والمؤسّسات البحثية، وشركاء القطاع عنصر أساسي في تحويل مخرجات البحث العلمي إلى تطبيقات عملية ذات أثر اقتصادي مباشر. 

16 شركة ناشئة 
على صعيد الابتكار وريادة الأعمال، بيّنت روضة المريخي أن الجامعة أسَّست مركز حضانة وريادة الأعمال، الذي يدعم 16 شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث استطاع عدد منها جذب استثمارات خارجية، بما يسهم في ترسيخ بيئة ريادية قائمة على الابتكار والتقنيات المتقدمة، هذا النموذج المتكامل، الذي يجمع بين التعليم والبحث وريادة الأعمال، ويضمن أن مخرجات الجامعة لا تبقى ضمن الإطار الأكاديمي، بل تتحول إلى حلول قابلة للتطبيق تسهم في دفع عجلة الاقتصاد، وتعزيز تنافسية الدولة في مجال الذكاء الاصطناعي. 

برنامج زمالة  
وقالت: إن الجامعة أطلقت برنامج زمالة روّاد الذكاء الاصطناعي للباحثين، وهي زمالة مموّلة بالكامل لمدة عامين، تُتيح للمواطنين الإماراتيين الحاصلين حديثاً على درجة الدكتوراه إجراء بحوث متقدمة في مؤسسات عالمية رائدة داخل الدولة وخارجها، بما يُسهم في بناء قدرات بحثية وطنية مستدامة، ويستهدف البرنامج مرحلة محورية ودقيقة في مسار تطوير الكفاءات الوطنية، وهي مرحلة ما بعد الدكتوراه، حيث ينتقل الباحث من مرحلة التعلّم إلى مرحلة الاستقلال البحثي والقيادة العلمية. 
وأضافت: في هذه المرحلة تحديداً، تتبلور ملامح القيادات الأكاديمية المستقبلية القادرة على توجيه مسارات البحث العلمي على المدى الطويل، وينطلق البرنامج من رؤية واضحة، تتمثل في إعداد جيل من الروّاد الإماراتيين في مجال الذكاء الاصطناعي، القادرين على المنافسة عالمياً، والمساهمة الفاعلة في تطوير المعرفة والتقنيات المتقدمة من داخل الدولة وخارجها، ويتميز البرنامج بنهج متعدد التخصصات، حيث يرحّب بالباحثين من مجالات متنوعة، تشمل تعلّم الآلة وعلوم البيانات والهندسة والعلوم البيولوجية والاقتصاد والعلوم الفيزيائية، مع التركيز على الأبحاث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أو الأدوات الحاسوبية أو المناهج الكمية ويعكس ذلك فهماً استراتيجياً بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي يتشكّل عند تقاطع التخصصات، وأن القيادات الوطنية المنشودة يجب أن تمتلك القدرة على العمل ضمن هذا الإطار المتكامل، بما يتماشى مع مستهدفات استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031. 

الوعي المبكّر  
وأوضحت أن الجامعة أطلقت عدداً من المبادرات التي تعزّز الفهم والتكامل الذي ينقل الطالب بشكل سلسل من مرحلة بناء الوعي المبكر بالذكاء الاصطناعي، إلى التخصص الأكاديمي، ثم إلى البحث المتقدم، وصولاً إلى مسارات العمل في القطاع الصناعي أو الأكاديمي أو ريادة الأعمال، بما يضمن استمرارية التطور، وعدم انقطاع المسار بين كل مرحلة وأخرى. ومن ضمن تلك المبادرات، مبادرة «وعي» ومنصة «ميلس»، والتي تسهم في بناء أساس مجتمعي للمعرفة من خلال إشراك مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك الشباب وكبار السن، في فهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأثره في الحياة اليومية، ما يعزّز الثقة، ويعمّق الوعي المجتمعي. 

توجُّه وطني

أشارت إلى أن هذه الرؤية تستند إلى توجُّهٍ وطنيٍّ واضح منذ عام 2017، مع تعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي عالمياً، وإطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، التي أرست إطاراً شاملاً لتسريع تبنِّي الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، وقد جاء تأسيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في عام 2019 ترجمة عملية لهذا التوجه، بصفتها أول جامعة بحثية مكرّسة للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، موضحة أن المقاربة الإماراتية تتجاوز نموذج التأهيل إلى نموذج التمكين، من خلال بناء منظومة مترابطة تشمل التوعية المجتمعية، والتعليم المتخصص، والبحث التطبيقي، وتطوير الكفاءات الأكاديمية الوطنية، وتعزيز الشراكات مع القطاعين الحكومي والخاص. وهذا التكامل يضمن استدامة الأثر، ويحوّل الذكاء الاصطناعي من مجال تقني إلى ركيزة اقتصادية ومعرفية وطنية. 

منظومة متكاملة

قالت روضة المريخي: إن المُقاربة الإماراتية لا تكتفي بتأهيل الطلبة أو الباحثين فحسب، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة تربط بين التوعية المجتمعية، والتعليم الجامعي، والبحث المتقدّم، وتطوير الكوادر الأكاديمية الوطنية، والارتباط بالقطاع الصناعي. هذا النهج الشامل هو ما يميّز الإمارات عن نموذج الاستقطاب التقليدي الذي يعتمد على استيراد الكفاءات دون بناء بنية تحتية بشرية مستدامة. وبهذا، لا تسعى دولة الإمارات إلى أن تكون مجرد وجهة جاذبة للمواهب، بل مركزاً عالمياً لإنتاج المواهب، وتطوير المعرفة، وقيادة الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.